في إطار فعاليات الدورة السادسة من مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي، احتضنت قاعة سينما “ريدز”، يوم الإثنين 16 يونيو الجاري، ندوة فكرية رفيعة المستوى حملت عنوان: “السينما المستقلة بين إملاءات الدعم الدولي ومرآة المجتمع: حدود الحرية وحدود التمويل”. وقد شكلت الندوة محطة هامة لطرح أسئلة عميقة حول التوازن بين حرية التعبير في السينما واستقلالية التمويل الخارجي، في ظل ما يشهده المشهد السينمائي العربي من تحولات وتحديات.
الندوة التي أدارتها الإعلامية فاطمة النوالي آزر، جمعت أسماء بارزة من صناع السينما والنقد في العالم العربي، منهم المخرج المغربي هشام العسري، والمخرجة الأردنية دارين ج. سلام، والمخرج العراقي أحمد ياسين الدراجي، إلى جانب الناقدة التونسية هندة حوالة، الذين قدموا شهاداتهم المهنية والإنسانية حول واقع السينما المستقلة.
هندة حوالة: لا خطوط حمراء مفروضة
الناقدة التونسية هندة حوالة، التي راكمت تجربة طويلة ضمن لجان قراءة سيناريوهات لصناديق دعم دولية، نفت بشكل قاطع وجود ضغوط أو توجيهات على صناع الأفلام العرب، مشيرة إلى أن لجان القراءة تتمتع باستقلالية تامة في عملها. وأوضحت أن القرار النهائي بشأن تمويل المشروع يعود للجهة المانحة، وهو ما يجعل من التوازن بين حرية التعبير ومصالح الجهات الداعمة معادلة معقدة.
العسري: لا أحد يفرض محتوى، الأهم هو صناعة الفيلم
ومن جانبه، شدد المخرج المغربي هشام العسري على أن التقدم للحصول على دعم يتطلب جهدا كبيرا لكنه لا يعني بالضرورة الخضوع لإملاءات. وقال: “لم أطلب مني قط تغيير محتوى أعمالي. المهم هو إنجاز الفيلم، لا انتظار دعم قد لا يأتي”، داعيا المخرجين إلى التفكير الفني أولاً وليس الإداري.
دارين سلام: فيلم “فرحة” ولد من عناد وإصرار
المخرجة الأردنية دارين ج. سلام أعادت سرد تجربتها مع فيلمها “فرحة” الذي تناول نكبة فلسطين عام 1948، مبرزة كيف واجهت صعوبات في التمويل بسبب حساسية الموضوع، ولم تتلق سوى دعم محدود من جهة واحدة. وأكدت أن الإصرار والتضحية هما مفتاح النجاح في ظل غياب الدعم الكافي.
الدراجي: الحرية بعد 2003 أوسع.. لكن التمويل أضعف
أما المخرج العراقي أحمد ياسين الدراجي، فقد قارب المسألة من زاوية زمنية، مقارنا بين فترتي ما قبل وبعد سقوط نظام صدام حسين. وأوضح أن الحرية توسعت بعد عام 2003، لكن في المقابل تراجعت فرص التمويل. وأبدى تحفظه تجاه بعض صناديق الدعم التي قد تشتغل، حسب رأيه، وفق أجندات محددة رغم استقلال لجان القراءة. ودعا إلى الإيمان بالمشروع الفني والتمسك به: “الدعم قد لا يأتي، لكن لا ينبغي أن نتخلى عن شغفنا.”
ندوة تكشف تعقيد المشهد السينمائي العربي
وشكلت هذه الندوة منصة حقيقية لتبادل الرؤى حول إشكالية التمويل في السينما المستقلة، مؤكدة أن الطريق إلى إنتاج سينما حرة وذات جودة ليس مفروشا بالدعم، بل محفوف بالتحديات التي لا يمكن تجاوزها إلا بالإيمان الراسخ بالمشروع الإبداعي والقدرة على الاستمرار رغم كل العوائق.
وأعاد مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي، بهذا النقاش المفتوح، تسليط الضوء على حاجة السينما العربية إلى دعم مستدام لا يقايض الحرية بالإملاءات، وإلى مقاربات جديدة تقر بحرية التعبير كحق لا كامتياز مشروط.


