حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

ترددت كثيرا قبل أن أقرر كتابة هذه الكلمات في حقك. فالمصاب فيك لا ينفع فيه كلام ولا بكاء ولا رثاء ولا نعي ولا عزاء. خبر رحيلك اختلطت فيه الصدمة بالحسرة بالحزن بالندم. كم كان مفجعا الخبر يا كاو؟ آه لو تعرفين.

ترددت في أن أكتب شيئا، ليس فقط لأن لرحيلك وقع عظيم لا تنفع معه الكلمات مهما بلغ صدقها، بل لأنني خفت. خفت أن لا يعجبك ذلك. أنت “المزابية” المزاجية التي قد تغضب “على نقشة”. تخيلتك تقولين بنبرة صوتك الحادة وأنت ترفعين حاجبك إلى الأعلى “لا نورا.. ماشي ديالك هادي”. خفت أن أكون واحدة من ضمن جوقة الراثين والمعزين و”الصديقات” و”المقربين”، الذين كتبوا ونشروا صورك معهم ومقتطفات من حوارات و”فيديوهات”، بحثوا عنها من “قاع الخابية” لزوم هذه المناسبة الأليمة، ليستجدوا بها بضع “لايكات” وتفاعلات من رواد منصات التواصل الاجتماعي الباردة. أتخيل ردة فعلك، وأنت تنظرين من هناك، وتقرئين التعاليق..

لزمت الصمت لأنني لم أعرف ماذا أكتب. ولأن الصمت أبلغ رد فعل في مثل هذا الحدث الجلل. قلت في نفسي. سأزور قبرك وأقول لك كل ما يعتمل في الخاطر. سأطلب منك “المسامحة” لأنني انقطعت عنك وقد أكون تسببت في حزنك أو في ألمك أو جرحك. صدقيني، لو كنا التقينا قبل موتك لكنا تعانقنا وبكينا إلى أن صفيت قلوبنا وغسلت عتابها الدموع. أو ربما لا. هل كنت ستغفرين لي ذنبا ارتكبته لحظة خيبة وسوء ظن؟ هل كانت ستشفع لي عندك ذكرياتنا ومؤامراتنا وقهقهاتنا وتواطؤنا وأسرارنا الدفينة؟

هل تذكرتني كاو مرة في فترة مرضك؟ هل خطرت على بالك ولو للحظة؟ هل تخيلت وقع الخبر علي؟ أم أنك ابتسمت بخبث وأنت تقولين “غزيت فيها”. أم ربما كنت آخر من تذكرتهم من “أحبابك” وأنت في قلب معاناة لم يكتو بنيرانها سواك. هل نسيتني؟ هل نسيت نقاشاتنا حول الحريات والنساء والحقوق ونحن مجتمعتان على “شواية السردين العجيبة” التي كنا نقتسم عشقها؟ ألم تتذكري تفاصيل القصص والحكايات التي جمعتنا؟ و”النميمة”؟ و”الطنز”؟ وطبق “الرفيسة”؟ والخطط التي كنا نحيكها في سهراتنا ب”البيجاما”؟ أم أن الألم لم يسمح ليك بتذكر كل هذا؟

كاو.. لقد كنت وفية لنفسك إلى آخر نفس. حتى في رحيلك. أردت أن تغادري في صمت، وبدون ابتذال، وهكذا كان. بدون ضجيج ولا بهرجة ولا كاميرات أحبت ملامحك منذ أول مرة ظهرت فيها للجمهور على شاشة. تركت دنيانا بكل رقيك وكبريائك الذي كان الكثيرون يسيؤون فهمه. كنت استثنائية في حياتك. وظللت كذلك حتى في غيابك. لن أقول شيئا عن ثقافتك وانفتاحك ومواقفك ونضالك من أجل حريتك في مجتمع يكره المرأة الحرة.. لن أتحدث عن الثمن الذي دفعته مقابل جرأتك وحرصك على كرامتك.. فشهادتي فيك مجروحة.

لا تغضبي مني كاو. ليس هذا نعيا. ولا رثاء. إنها مناجاة.. أو هي خواطر اخترت أن أكتبها، علها تصلك في المكان الذي أنت فيه الآن. كاو.. “المزابية”.. إلى أن نلتقي في دنيا أخرى وحياة جديدة.. مسامحة.