حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في مشهد غير مألوف رصدته عدسات الصحافة على هامش قمة مجموعة السبع (G7) المنعقدة بمدينة باري الإيطالية، ظهر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في حديث جانبي بدا متوترا، رغم هدوئه الظاهري، مع ولي عهد أبو ظبي ورئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.

ورغم غياب التصريحات الرسمية، فإن الملامح وتفاصيل اللقاء عكست بوضوح عمق الفتور الذي يطبع العلاقات الثنائية بين البلدين، والتي دخلت مرحلة توصف بـ”الحرب الباردة” الصامتة بين نظامين كانا في وقت سابق يقدمان نفسيهما كحليفين إقليميين.

اتهامات مباشرة بتقويض الاستقرار

وحسب ما أفادت به مجلة Jeune Afrique، تتهم السلطات الجزائرية الإمارات العربية المتحدة بـ”العمل على زعزعة استقرار البلاد” من خلال دعم جهات معارضة وتمويل حملات إعلامية وميدانية تستهدف مؤسسات الدولة وتشوه صورتها داخليا وخارجيا.

وتشير التسريبات السياسية من الجزائر إلى أن هذه “التدخلات الإماراتية الممنهجة” تفسر كجزء من محاولة لتقليص النفوذ الجزائري المتزايد في القارة الإفريقية، لاسيما بمنطقة الساحل التي تشكل عمقا إستراتيجيا للجزائر.

من التنسيق إلى التنافر: تحولات بعد الربيع العربي

العلاقة بين الجزائر وأبو ظبي لم تكن دائما على هذا المستوى من التوتر. فقبل سنوات، كانت هناك مجالات تعاون بين الطرفين شملت مكافحة الإرهاب ومشاريع استثمارية. غير أن التحولات الجيوسياسية التي أعقبت موجة “الربيع العربي” أعادت رسم الخريطة السياسية في المنطقة، ودفعت الطرفين إلى مسارات متباعدة.

ويعتبر مراقبون أن أبرز نقاط الخلاف ظهرت جلية مع موقف الجزائر الرافض لتطبيع الإمارات علاقاتها مع إسرائيل في إطار “اتفاقات أبراهام”، وهو ما تراه القيادة الجزائرية تجاوزا لموقفها التاريخي تجاه القضية الفلسطينية، التي تصنفها كـ”قضية مقدسة لا تحتمل المساومة”.

صراع رقمي وإعلامي خلف الستار

التوتر بين الطرفين لا يتجلى في تصريحات رسمية أو مواجهات مفتوحة، بل في حرب ناعمة تدور رحاها عبر الفضاء الرقمي والمنصات الإعلامية. وتشير مصادر مطلعة إلى أن الجزائر تتهم الإمارات بتمويل حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تستهدف إثارة البلبلة والتحريض، إلى جانب دعم شبكات إعلامية تتبنى خطابات مناوئة للسياسات الجزائرية.

وتزيد مخاوف الجزائر من اتساع رقعة النفوذ الإماراتي في دول الجوار، مثل ليبيا وتونس ومالي، حيث تنظر إلى هذا التمدد كحزام ضغط استراتيجي قد يضيق الخناق على مصالح الجزائر الإقليمية.

توتر صامت.. دون مواجهة مباشرة

ورغم كل المؤشرات على تدهور العلاقات، يحرص الطرفان على تفادي التصعيد العلني، إذ لم تصدر أي تصريحات رسمية من الجانبين تعكس حقيقة الوضع. لكن جمود اللقاءات الثنائية، وتوقف الزيارات الرسمية، وتراجع حجم المشاريع الاستثمارية المشتركة، كلها إشارات توحي بوجود قطيعة غير معلنة.

وفي هذا السياق، وصف دبلوماسي مغاربي الوضع الراهن بين الجزائر والإمارات بـ”الحرب غير المرئية”، قائلا: “هي معركة صامتة ولكنها شديدة السخونة. كل طرف يسعى إلى توسيع نفوذه في المنطقة، وسط صراع خفي على الزعامة الإقليمية قد تكون له انعكاسات استراتيجية بعيدة المدى”.

ويبدو أن ما يحدث ليس مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل تحول عميق في ميزان التحالفات، يعيد رسم ملامح التوازن في شمال إفريقيا والمنطقة العربية.