تشهد الجزائر في الآونة الأخيرة وضعا جيوسياسيا معقدا، وسط تحولات عميقة تعيد رسم خريطة النفوذ في شمال إفريقيا. تقرير بريطاني حديث، رسم ملامح تراجع نفوذ الجزائر إقليميا، مشيرا إلى دخولها في عزلة دبلوماسية غير مسبوقة، مع انضمام قوى غربية كبرى إلى صف خصومها التقليديين.
وأحدث صفعة دبلوماسية تلقتها الجزائر جاءت من لندن، بعدما أعلنت بريطانيا دعمها الرسمي لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، لتنضم بذلك إلى الولايات المتحدة وفرنسا. واعتبر ريكاردو فابيني، مدير شؤون شمال إفريقيا في International Crisis Group، أن “رسالة الغرب أصبحت واضحة: دعم صريح للمغرب، وتراجع في ثقة القوى الكبرى بالجزائر”.
خطاب تحرري موروث يواجه واقعية المصالح
ومنذ استقلالها عام 1962، بنت الجزائر سياستها الخارجية على مناصرة قضايا التحرر وحق تقرير المصير، خصوصا في ملفي الصحراء الغربية وفلسطين. لكن هذا التوجه، كما ترى الباحثة إيزابيل ويرنفيلس من المعهد الألماني للشؤون الدولية، أصبح “متجاوزا” في عالم تتحكم فيه حسابات المصالح والاستثمارات والتحالفات العسكرية.
وفي المقابل، يواصل المغرب توسيع تحالفاته الإقليمية مع الإمارات وإسرائيل، مستفيدا من اتفاقات أبراهام التي أفضت إلى اعتراف أمريكي بسيادته على الصحراء. وشمل هذا التقارب مشاريع استراتيجية، أبرزها التعاون العسكري مع تل أبيب وإنشاء مصنع للطائرات المسيرة، وهو ما أثار حفيظة الجزائر وعمق توتر العلاقات.
مشروع الغاز المغربي يهدد الريع الطاقي الجزائري
من جهة أخرى، تلقت الجزائر ضربة اقتصادية بعد إعلان الإمارات دعمها لمشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب بقيمة 25 مليار دولار، وهو مشروع يهدد موقع الجزائر كمصدر رئيسي للغاز إلى أوروبا، ما ينذر بانكماش اقتصادي حاد في حال تحققت هذه الخطة الطاقية الضخمة.
العلاقات مع فرنسا بدورها انهارت منذ يوليوز 2024، عقب دعم باريس للحكم الذاتي المغربي، مما دفع الجزائر إلى سحب سفيرها وإلغاء زيارات رسمية ووقف التعاون الأمني والهجرة. كما اتسعت الفجوة بينها وبين الإمارات، على خلفية تصريحات إعلامية متبادلة واتهامات بالتآمر والتمويل الإعلامي المشبوه.
تحديات أمام خطاب قومي يواجه عزلة واقعية
وفي ظل هذا السياق، يطرح التقرير تساؤلات جوهرية حول مستقبل السياسة الخارجية الجزائرية، وقدرتها على مواكبة المتغيرات الجيوسياسية. فبين وفاءها التقليدي لقضايا التحرر، وتنامي محيط إقليمي يؤمن بلغة المصالح والصفقات، تجد الجزائر نفسها أمام تحد مصيري.
واختتم التقرير البريطاني تحليله بالقول إن الجزائر قد تلجأ لاحقا إلى تحسين علاقاتها مع واشنطن وباريس، لكنها تظل غير مرشحة لتطبيع علاقاتها مع المغرب أو الإمارات، لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لمرتكزاتها الأيديولوجية وموقعها الخطابي في المنطقة.


