حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

يحتفل المغرب، بقيادة ملك البلاد، اليوم، ب26 سنة من الإنجازات، ومن النضال الحقيقي من أجل بناء مغرب جديد، أكثر انفتاحا على العالم، وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

خلال 26 سنة كاملة من تولي الملك محمد السادس عرش هذه المملكة التي تحمل وراءها تاريخا وهوية وحضارة، عاش المغاربة مراحل تطور متعددة وكأن الأمر لا يتعلق بعهد حكم واحد، بل بعهود مختلفة، بدأت بثورة على جميع مخلفات العهد القديم للملك الراحل الحسن الثاني، وتغييرات هادئة وتدريجية تتلائم مع الرؤية الملكية المختلفة لمحمد السادس، الذي أبان مع مرور سنوات حكمه، على أن له أسلوبه الاستثنائي المختلف الذي سيذكره له التاريخ كواحد من عظماء الملوك العلويين.

قبل 26 سنة، بدأت رحلة تغيير المغرب بقيادة الملك محمد السادس. لم تكن طريقها سهلة أبدا، لأن الأمر يتعلق بإرث ثقيل، بين محاربة الفقر والأمية والجهل، وبناء مقدمات حياة سياسية متشبعة بالديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان، والقطع مع المفهوم القديم للسلطة وتبني إستراتيجية تقوم على محاسبة الفاسدين وتشبيب النخب والاستعانة بالكفاءات، دون الحديث عن الأوراش الكبرى والاستثمارات الضخمة في مجالات الطاقات البديلة والاقتصاد الأخضر وتحلية مياه البحر وصناعة السيارات وصناعة الطيران وتشييد الموانئ والقطارات فائقة السرعة والطرق السيارة والبنيات التحتية الهامة و”زيد وزيد” من المشاريع التي لم يكن المواطن المغربي يراها إلا إذا سنحت له فرصة الذهاب إلى بلد أجنبي من بلدان العالم الأول.

خلال 26 سنة، رسم الملك خطة جديدة وتكتيكا محكما ليستعيد المغرب سيادته الكاملة على صحراءه. خطة تتأرجح بين الدبلوماسية واليد الممدودة إلى الآخر، و”الدق” والصرامة في الدفاع عن الوحدة الترابية “كاملة مكمولة”، إلى أن “حيانا الله” وشاهدنا الدول العظمى، وعلى رأسها “ماما أمريكا”، تعترف، واحدة تلو الأخرى، بمغربية الصحراء، وتدعم مبادرة الحكم الذاتي، بفضل السياسة الذكية والحكيمة لمحمد السادس.

مررنا من مراحل مفصلية أيضا كان أخطرها حراك 20 فبراير، الذي تمكن المغرب من تجاوز تداعياته، من خلال ترك مجال الحرية مفتوحا للاحتجاجات والمسيرات السلمية والتجاوب مع المطالب المشروعة والتوصل إلى صيغة دستور جديد متوافق عليها. صحيح أنه كلفنا 10 سنوات من حكم الإسلاميين، لكننا خرجنا منه بمملكة أقوى وباستثناء مغربي حقيقي لا شوفينية فيه.

اليوم، ونحن نحتفل ب26 سنة من تربع الملك محمد السادس على عرش المغرب، ونحن نطل على مونديال 2030 الذي نستضيفه بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، بعد مثابرة وسنوات طويلة من الفشل وخيبة الأمل، علينا أن نستحضر ما وصلنا إليه من إنجازات على جميع المستويات، وفي مقدمتها الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية وإصلاح التعليم، التي تولى لها أولوية وعناية خاصة من الملك والحكومة. صحيح أن الطريق ما زالت وعرة أمامنا ومليئة بالمطبات، لكنها “البداية، وما زال ما زال”.

لقد حكم الملك محمد السادس، طيلة 26 سنة الماضية، شعبه، بالتواضع والمحبة والتسامح والعفو عند المقدرة. تركزت سياسته بين شد الحبل عند الضرورة وتليينه عند الحاجة، محيطا نفسه بمستشارين ومسؤولين أقوياء وأذكياء ويتقاسمون معه نفس الرؤية لمغرب الغد. رؤية تحكمها المصلحة العليا للوطن، التي لها الولاء الأول والأخير، بعيدا عن الصراعات السياسوية الضيقة لأحزاب لا ترى سوى حد أنفها، بيمينها ويسارها وإسلامييها.

26 سنة من حكم الملك محمد السادس، غيرت المغرب 280 درجة، وأخرجته من دائرة البلدان “المحكورة” المتخبطة في مشاكل لا أول لها من آخر، إلى مملكة يحترمها العالم ويصفق للخطوات الجبارة التي تقوم بها من أجل الحفاظ على استمرارها واستقرارها وتعايشها في سياق جيوسياسي عالمي يغلي بالصراعات ويأكل فيه القوي الضعيف. كل ذلك بدون موارد طبيعية هامة. سلاحها الوحيد مؤهلاتها التاريخية والجغرافية والهوياتية القائمة على قبول الآخر والانفتاح على الثقافات، وشعارها العمل الذكي والدقيق والإستراتيجي لإيجاد مكانها بين البلدان تحت راية الله والوطن والملك.

أمامنا سنوات أخرى من البناء لتحقيق عدالة اجتماعية ومجالية وتنمية شاملة تخرج سكان القرى والمناطق النائية من الهشاشة والفقر. لقد قالها الملك في خطابه أمس بمناسبة الذكرى 26 لتربعه على العرش، معلنا عن خطة جديدة من الإصلاحات التي ستباشرها حكومة أخنوش في هذا الإطار.

وستكون أمامنا سنوات أكثر من أجل بناء الإنسان والمواطن الصالح الذي يعرف واجباته مثلما يطالب بحقوقه، والذي ينتقد نفسه قبل أن يعلق تناقضاته على شماعة الدولة. نحتاج في المقبل من السنوات مغربيا منخرطا في ورش الإصلاح والعمل والاجتهاد من أجل وطن يتسع للجميع ويحتضن الجميع باختلافاتهم وتعددهم، وليس مجرد “فهاماتور”، يعتقد أنه وحده من يملك الحقيقة. نحتاج مجتمعا قويا يسير في انسجام مع توجهات الملك، ولا يسبح عكس التيار، فقط لأنه يحب أن يلعب دور الضحية ويشيطن الآخر، إلا نفسه التي يعتبرها خالية من كل عيب أو شائبة. أمامنا سنوات من الحفر في الصخر من أجل إنسان مغربي صاحب قيم ومبادئ، يحب وطنه ويدافع عن مصلحته وغير مستعد لأن يبيعه وينشر غسيله لدى من يدفع أكثر، تحت يافطة النضال من أجل الحقوق والحريات والديمقراطية و”ملك يسود ولا يحكم”.

في انتظار هذا اليوم الموعود، وأيام أجمل يعمها الخير والازدهار والبركات، لا يسعنا إلا أن نقول “الله يبارك فعمر سيدنا” و”الله يحفظ بلادنا” وينعم عليها بالمزيد من الأمن والأمان والاستقرار.