تمر الجزائر بمرحلة دقيقة تتسم بتراجع حاد في نفوذها الدبلوماسي والإقليمي، وسط تحولات عميقة في التوازنات الجيوسياسية لشمال إفريقيا والساحل، وتفاقم الضغوط الدولية على سياستها الخارجية التي توصف بـ”الجامدة”، في مقابل انخراط عدد من القوى الكبرى في دعم متزايد لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء.
آخر الصفعات الدبلوماسية التي تلقتها الجزائر جاءت من لندن، عقب إعلان المملكة المتحدة دعمها الصريح للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، في موقف اعتبرته عدة دوائر رسالة سياسية قوية تؤشر على انتقال دعم ثلاث من القوى الخمس الكبرى في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، فرنسا، والمملكة المتحدة) إلى جانب الرباط، مقابل عزلة متنامية للجزائر الداعمة لجبهة البوليساريو.
ووفق تحليل لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، فإن هذه التحولات لا تترك مجالا للشك في تراجع وزن الجزائر في القرار الدولي بشأن النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
النظام العسكري في موقف دفاعي
المحلل ريكاردو فابيياني، المتخصص في شؤون شمال إفريقيا بـ”مجموعة الأزمات الدولية”، اعتبر أن موقف لندن يرسخ فعليا تراجع التأثير الجزائري في المعادلات الجيوسياسية، مشيرا إلى أن معظم القوى الغربية باتت ترى في المشروع المغربي خيارا واقعيا لإنهاء النزاع، بينما لا تزال الجزائر متشبثة بخطاب “تقرير المصير”، الذي لم يعد يلقى نفس الزخم الدولي.
وفي المقابل، يواصل النظام الجزائري، المدعوم من المؤسسة العسكرية، التمترس خلف رفض مطلق لأي تسوية لا تتضمن استفتاءا، رغم الانزياح الدولي المتزايد نحو دعم الرؤية المغربية.
تحولات مغاربية تقلق الجزائر
وإلى جانب العزلة الدبلوماسية، تراقب الجزائر بقلق تنامي النفوذ الخليجي في المغرب العربي، وخصوصا الشراكات الاستراتيجية المتزايدة بين المغرب والإمارات في مجالات الدفاع، والتكنولوجيا، والاستثمار، وهو ما تعتبره الجزائر تهديدًا مباشرًا لدورها التاريخي في المنطقة.
تدهور غير مسبوق في العلاقات الفرنسية الجزائرية
كما تعيش العلاقات الجزائرية الفرنسية أسوأ فتراتها منذ عقود، حيث شهدت الأشهر الأخيرة تراكما غير مسبوق في التوترات السياسية، شملت ملفات الذاكرة الاستعمارية، والهجرة، والتدخل في الشأن الداخلي، ما أدى إلى قطيعة رمزية أعادت العلاقات إلى نقطة الصفر.
وتتزامن هذه الأزمات مع تحديات أمنية متصاعدة، خصوصا في منطقة الساحل، حيث تنشط جماعات مسلحة وجهادية، وسط توسع الحضور الروسي في إفريقيا. هذا الحضور، رغم كونه حليفا للسلطة الجزائرية، يثير بدوره مخاوف من تقاطعات متضاربة مع مصالح دولية أخرى في المنطقة.
اقتصاد هش ومعتمد على المحروقات
وعلى الصعيد الداخلي، لا يزال الاقتصاد الجزائري رهينا لعائدات النفط والغاز، مع محدودية واضحة في التنويع وغياب بيئة استثمارية جاذبة. وتفتقر البلاد، بحسب مراقبين، إلى الأدوات اللازمة لامتصاص تداعيات الأزمة الجيوسياسية، في ظل استمرار الإنفاق العمومي المرتفع وغياب إصلاحات اقتصادية هيكلية.
وتجد الجزائر نفسها اليوم أمام منعطف استراتيجي حاسم، يتطلب إعادة تقييم شاملة لخياراتها الدبلوماسية والاقتصادية. فالعالم يتغير، والمعادلات الجيوسياسية تتبدل بسرعة، فيما يخشى أن تتحول الجزائر إلى لاعب ثانوي في مشهد إقليمي كانت تعتبر نفسها أحد أعمدته لعقود.


