قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية مجموعة من مقتضيات مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23، المصادق عليه في يونيو الماضي، وذلك بسبب تعارضها مع مبادئ دستورية جوهرية، أبرزها مبدأ الأمن القضائي. وركز القرار، بشكل خاص، على المادة 17 التي أثارت جدلا واسعا بمنحها النيابة العامة حق الطعن في مقررات قضائية نهائية، دون أن تكون طرفا في النزاع.
وأوضحت المحكمة أن الفقرة الأولى من المادة 17 تمكن النيابة العامة من طلب بطلان أي حكم نهائي خلال خمس سنوات من صدوره، إذا اعتبر مخالفا للنظام العام، ما يتعارض مع الفصول 6 و117 و126 من الدستور التي تؤكد على أن الأحكام القضائية النهائية ملزمة للجميع، ولا يمكن المساس بها إلا من طرف قضاة يمارسون فعليا مهامهم بالمحاكم.
غياب الضوابط القانونية وغياب حالات محددة
وأضاف القرار أن الصيغة المعروضة من المادة تفتقر لتحديد الحالات التي يسمح فيها للنيابة العامة بطلب البطلان، ما يمنحها سلطة تقديرية واسعة دون ضوابط قانونية واضحة، وهو ما يعد خرقًا لمبدأ توازن السلطات وحماية الحقوق. كما اعتبرت المحكمة أن هذه الفقرة تمنح صلاحيات لا تتيحها المبادئ الدستورية للمؤسسة القضائية، وتتجاوز نطاق الاستثناء على حجية المقررات القضائية، ما يضعف الثقة في العدالة.
وانتقدت المحكمة أيضا الصيغة الحالية للمادة 84، التي تتيح للمكلف بالتبليغ تسليم الاستدعاء لأي شخص يدعي أنه وكيل المعني أو أحد ساكنيه الظاهريين ممن يبلغون سن 16 سنة، حتى دون تحقق قطعي. واعتبرت الهيئة أن ذلك يفتح الباب أمام تبليغات غير موثوقة قائمة على الشك لا الجزم، ما يفرغ إجراءات التبليغ من مضمونها القانوني، ويقوض مبدأ الأمن القانوني المنصوص عليه في الفصل 6 من الدستور.
وأعلنت المحكمة أن عددا من المواد المرتبطة بالمادة 84، منها المواد 97، 101، 103، 105، 123، ومواد أخرى من 127 حتى 500، تحتوي على مقتضيات مخالفة للدستور بسبب استنادها إلى نفس الأسس المعيبة. وبينت أن هذه النصوص تُلقي على المكلف بالتبليغ مسؤولية تقديرية تفوق صلاحياته، وتضر بحقوق الأطراف في معرفة الإجراءات القضائية الموجهة إليهم.
وزارة العدل ترحب بقرار المحكمة الدستورية
وفي أول رد رسمي، رحبت وزارة العدل بقرار المحكمة الدستورية، واعتبرته محطة مؤسساتية مهمة في المسار الديمقراطي، مؤكدة التزامها التام باحترام اختصاصات المحكمة واستقلاليتها، ومشيرة إلى أن القرار يجسد تفاعلا إيجابيا بين السلطات في إطار مبدأ فصل السلط وسيادة القانون.
وأكدت الوزارة أن مشروع قانون المسطرة المدنية خضع لمقاربة تشاركية واسعة، تضمنت الاستماع لملاحظات السلطة القضائية والهيئات المهنية والمنظمات الحقوقية، وأنها ملتزمة بتعديل المشروع وفق التوجيهات الدستورية وتطوير النصوص بما يكرس الشفافية والنجاعة في القضاء.


