في الوقت الذي تقدم فيه الزاوية القادرية البودشيشية نفسها اليوم كمدرسة صوفية مستقلة انطلقت من مداغ، تكشف الوثائق المخزنية والمراسلات السلطانية المحفوظة في أرشيف الدولة المغربية حقيقة مغايرة تماما، بحيث أن هذه الزاوية لم تكن سوى فرع مباشر للزاوية القادرية الأم في بني طيب بإقليم الدريوش، تأسس بأمر من شيخها، واستمد شرعيته وحصانته من هذا الانتماء، قبل أن يسعى في العقود الأخيرة إلى إعادة صياغة تاريخه ليبدو ككيان منفصل.
الأصل في بن طيب: مركز روحي وعسكري بإرادة المخزن
الزاوية القادرية في بن طيب بإقليم الدريوش (الناظور سابقا) لم تكن مجرد فضاء للذكر والعبادة، بل كانت مركزا روحيا وسياسيا ذا نفوذ واسع في الريف الشرقي. ومنذ القرن السابع عشر، شكلت هذه الزاوية نقطة ارتكاز للطريقة القادرية بالمغرب، وارتبط اسمها مباشرة بالسلسلة الروحية للشيخ عبد القادر الجيلاني في بغداد.
وتكشف الوثائق المخزنية المؤرخة في عهد السلطان المولى إسماعيل (1672–1727م) عن صدور ظهائر سلطانية متكررة تؤكد امتيازات الزاوية ومكانتها. ومن أبرزها ظهيران مؤرخان في 1083هـ/1673م و1089هـ/1679م، تضمنا منح الحصانة للمريدين والملتجئين، وتثبيت الأراضي والممتلكات الموقوفة على الزاوية، وإقرار إعفاءات ضريبية، إضافة إلى الاعتراف الرسمي بدورها في الوساطة بين القبائل والمخزن في أوقات النزاعات.

وقد لعبت الزاوية أدوارا محورية في محيطها، حيث ساهمت في حفظ الأمن القبلي، وحشدت الرجال والسلاح في مواجهة التهديدات الأجنبية. ففي حرب مليلية (1890–1893م)، كانت الزاوية القادرية ببن طيب نقطة انطلاق للمجاهدين، وجهزت المؤونة، ونظمت خطوط الإمداد إلى الجبهة، ما عزز موقعها كمؤسسة دينية ذات دور سياسي وعسكري.
كما حصلت في عهد السلطان محمد الثالث (1757–1790م) على منصب النقابة العامة للطريقة القادرية، الذي منحها سلطة الإشراف على جميع الفروع القادرية في المغرب الشرقي، وتعيين ممثلين عنها في القرى والمناطق النائية، بما في ذلك قرية مداغ لاحقًا.
سيدي علي بن محمد: مريد أصبح شيخ فرع بأمر مباشر
وفي أواخر القرن السابع عشر، برز اسم سيدي علي بن محمد، أحد أبرز مريدي الزاوية القادرية الأم في بني طيب. وبعد مسيرة طويلة في السلوك والتربية الروحية، منحه شيخ الطريقة القادرية ببن طيب الإذن الرسمي لقيادة فرع جديد في مداغ، بهدف نشر الطريقة القادرية في المنطقة وتعزيز حضورها في القبائل المجاورة.
هذا الإذن لم يكن خطوة استقلالية، بل كان وفق أعراف الزاوية الأم، التي لا تمنح المشيخة إلا لمن يلتزم بولائها، ويعترف بمرجعيتها الروحية والتنظيمية. وهكذا تأسس فرع مداغ كامتداد مباشر للمركز الأم، ملتزما بتعاليمه ومرتبطا به إداريا وروحيا.
ولادة اسم “البودشيشية”
مع مرور الزمن، اشتهر سيدي علي بن محمد بعادة إكرام المريدين والضيوف بطعام محلي يعرف بـ”الدشِّيشة”، فأصبح الفرع يعرف بـ”البودشيشية”. هذا الاسم الشعبي المميز لم يغير حقيقة أن الفرع ظل في الوثائق السلطانية وأسانيد الإجازة جزءا من المنظومة القادرية الأم، وليس كيانا منفصلا عنها.
الوثائق السلطانية: الامتياز مقابل الولاء
وبعد وفاة المولى إسماعيل، واصل السلطان عبد الله (1732–1733م) إصدار ظهائر تؤكد استمرار الامتيازات والحصانة للزاوية القادرية ببن طيب، بما يشمل فروعها. وفي عهد السلطان محمد الثالث، تم تثبيت النقابة العامة على جميع الفروع القادرية، ما جعل فرع مداغ رسميًا تحت إشراف المركز الأم.
وفي القرن التاسع عشر، لعبت الزاوية الأم وفروعها، دورا في تعبئة المجاهدين ضد الاحتلال الإسباني، وشاركت في الحملات العسكرية، مقابل ضمان نفوذها المحلي وتعيين شيوخها في مناصب القضاء والإدارة.
حياد في فتنة بوحمارة
ومع بداية القرن العشرين، وأثناء تمرد “بوحمارة”، التزمت الزاوية الأم الحياد لصالح السلطان مولاي عبد العزيز، وألزم فرع مداغ نفسه بالموقف ذاته. هذا الموقف، رغم كلفته من حيث الهجمات الانتقامية التي طالت الزاوية الأم، أكسبها لاحقا دعم السلطان مولاي عبد الحفيظ بعد القضاء على التمرد سنة 1909م.
من بني طيب إلى مداغ: مسار زمني متصل
وبدأت الحكاية في 1083هـ/1673م بظهير سلطاني من المولى إسماعيل يمنح الزاوية القادرية ببن طيب حصانة وامتيازات واسعة. وفي 1089هـ/1679م، جدد السلطان هذه الامتيازات في ظهير ثان. أواخر القرن السابع عشر، أرسل شيخ بن طيب مريده سيدي علي بن محمد إلى مداغ لتأسيس فرع جديد، ظل تابعا للمركز الأم إداريا وروحيا.
وفي القرن الثامن عشر، عززت الظهائر السلطانية هذه التبعية عبر منصب النقابة العامة. وفي القرن التاسع عشر، شارك الفرع في الأنشطة الجهادية بأمر من بن طيب، بينما حافظ على التزامه بالمواقف السياسية للزاوية الأم حتى مطلع القرن العشرين.
قراءة نقدية: التاريخ لا يمحى بالمرويات المعاصرة
ورغم هذا المسار الموثق على مدى ثلاثة قرون، تسعى الزاوية البودشيشية اليوم إلى تقديم نفسها كحركة صوفية مستقلة، متجاهلة أن أصلها وشرعيتها وحصانتها جاءت من بن طيب وبأمر مباشر من شيخ الزاوية الأم. وإعادة صياغة هذا التاريخ بشكل انتقائي هو محاولة لطمس الحقيقة، لكنه لا يغير من الواقع الموثق في المراسلات السلطانية والوثائق التاريخية التي تحتفظ بها خزائن الأرشيف المغربي.
أسئلة معلقة على باب الزاوية
فإذا كانت الزاوية القادرية البودشيشية قد تأسست بأمر من شيخ الزاوية القادرية الأم في بن طيب، واستمدت شرعيتها وحصانتها من هذا الانتماء، فلماذا تتجنب اليوم ذكر هذا الأصل في خطابها الرسمي؟ ولماذا تقدم للجمهور ككيان مستقل نشأ في مداغ دون الإشارة إلى قرار الإرسال والإذن الصريح من المركز الأم؟ ألا يعد تغييب هذه الحقيقة عن المريدين والزوار نوعا من إعادة كتابة التاريخ لخدمة صورة معينة؟
وإذا كان فخر الانتماء إلى السلسلة القادرية هو ما منحها مكانتها عبر القرون، فلماذا يبدو اليوم وكأنها تنأى عن الاعتراف العلني بهذه التبعية التاريخية؟
إن الأمانة العلمية والروحية تقتضي أن يروى التاريخ كما هو، لا كما يخدم مصالح الحاضر، وأن تعترف البودشيشية بأن جذورها الراسخة في بن طيب هي التي منحتها الشرعية، قبل أن تحمل اسمها الحالي وتشتهر به.
الشجرة القادرية الأصلية :




