حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

منذ بداياتها بمداغ قرب بركان، رسخت الزاوية القادرية البودشيشية صورة شيخها باعتباره مركز الطاعة والولاء. ومع مرور الأجيال، تحول هذا الولاء إلى طقوس بروتوكولية تذكر بعلاقة الرعايا بالسلطان أو الملك، خصوصا في عادة تقبيل يد الشيخ التي وثقتها فيديوهات متداولة مؤخرا، والتي يعتبرها المريدون تعبيرا عن الاحترام، غير أن منتقدين يرون فيها استنساخا لطقوس البلاط الملكي ومحاولة لإضفاء هالة سلطانية على مقام الشيخ.

أضرحة ملوك أم قبور شيوخ؟

وتتجلى المفارقة الأبرز، في أضرحة شيوخ البودشيشية. فمن حمزة إلى جمال الدين، تم تشييد مقامات لا تقل بذخا عن ضريح الحسن الثاني، رخام أبيض، زليج فاسي فاخر، زخارف مذهبة، وأبواب شاهقة. وهذا الترف المبالغ فيه يثير سؤالا صريحا، هل ما زالت هذه الزاوية تنتمي لروح التصوف القائم على الفقر إلى الله والتواضع، أم أنها تحولت إلى نسخة مصغرة من بلاط ملكي تسعى عبرها لتثبيت مكانتها وهيبتها؟

ضريح الزاوية البودشيشية

منير القادري واستمرار المشهد

وحتى مع إعلان الشيخ منير القادري تنحيه مؤخرا عن المشيخة، لم يتغير المشهد. الطقوس ذاتها، المظاهر ذاتها، والاستعراض نفسه. إذ حافظت الزاوية البودشيشية على إيقاعها السلطاني، وكأنها تريد القول إن الشيخ مجرد واجهة، بينما المؤسسة قائمة بذاتها مثل جهاز مواز للسلطة الرسمية.

والأكثر إثارة للتساؤل، أن تقبيل اليد الذي يفرض على المريدين أمام شيوخ البودشيشية، أصبح متجاوزا حتى في أعلى هرم السلطة بالمغرب. فالملك محمد السادس نفسه، في مختلف خرجاته الرسمية والشعبية، يسحب يده كلما حاول أحد تقبيلها، في إشارة واضحة إلى التحفظ على هذه الممارسة التي باتت من مخلفات الماضي. والمفارقة أن ما رفضه رأس الدولة بتواضع الكبار، ظل متجذرا في الزاوية التي أصرت على إبقاء الشيخ في صورة الحاكم الذي تقبل يده، وكأنها تسبح ضد تيار العصر والتحولات الاجتماعية.

جولة ميدانية تكشف “حواجز السلطة”

وخلال جولة ميدانية لطاقم “آش نيوز” داخل الزاوية البودشيشية في مداغ، اتضح أن الوصول إلى منير القادري البودشيشي، ليس أمرا يسيرا ولا سهل المنال، فقبل لقاء الشيخ، الذي احتفظ بالسر الروحي، يتعين المرور عبر حاجبه أو “مقدم” خاص، يقوم بدور البوابة الحقيقية للقاء، حيث لا يسمح لأي شخص بمقابلة الشيخ إلا عبر وساطته أو موافقته. وهذا المشهد يزيد من تكريس صورة الشيخ كـ”زعيم أوتوقراطي”، لا يمكن لأي كان الوصول إليه مباشرة.

بذخ ظاهر من البوابة

ولم يتوقف الأمر عند الطقوس، بل تعداه إلى مظاهر البذخ المادي التي تناقض تماما صورة “العارف بالله” المفترض في الطرق الصوفية. فقد وقف طاقم “آش نيوز” عند بوابة منزل العائلة القادرية البودشيشية، عند التي الفخامة تبدأ من الخارج. سيارات فارهة من آخر الماركات العالمية مركونة داخل الفناء، تحمل ترقيما من الرباط والدار البيضاء، لا تتحرك إلا حين يقرر الشيخ استعمالها، رفقة سائق خاص. والسؤال البديهي الذي يفرض نفسه، هل هذا هو الشيخ الذي يدعي الزهد وترك أهواء الدنيا، أم رجل آخر يستمتع بمظاهر الرفاهية باسم التصوف؟

شهادات من مريدين سابقين

عدد من المريدين السابقين الذين غادروا الزاوية تحدثوا للموقع، عن إحباطهم من الطقوس المبالغ فيها. أحدهم أكد أن “الزهد غاب عن الزاوية منذ سنوات، وحل محله استعراض للثروة والهيبة”، بينما قال آخر: “كنت أظن أنني سأتقرب إلى الله، لكنني وجدت نفسي مطالبا بتقبيل يد بشر والامتثال لأوامر حاجب قبل أن أقترب منه”. أما الثالث، فقال إنه كان من أقرب الملازمين للشيخ حمزة البودشيشي قيد حياته، قبل أن يفر بجلده ويبتعد عن كل ما هو بوتشيشي، بعد أن كان شاهدا على بعض الأمور الغريبة والغامضة، تحفظ عن الكشف عن تفاصيلها. هذه الشهادات تكشف أن كثيرين لم يعودوا يرون في الزاوية فضاء روحانيا، بل مؤسسة سلطوية بواجهة دينية.

استنساخ الشرعية السياسية

إن أخطر ما في هذه الممارسات هو سعي الزاوية إلى استنساخ رمزية الدولة، فهي تحاكي القصر في الطقوس، وتقلد الضريح الملكي في المعمار، وتعيد إنتاج خطاب الولاء في حلقات الذكر. وبهذا تضع نفسها في موقع يتجاوز حدودها كفضاء تربوي ديني، إلى مؤسسة تقدم الشيخ كـ”ظل للملك” في المجال الروحي.