في آخر خرجة إعلامية له، فاجأ منير القادري البودشيشي الرأي العام بتصريحات ملغومة، حينما أعلن أنه سيتنحى عن المشيخة لفائدة شقيقه معاذ القادري، مكتفيا بالإشراف على الشؤون الإدارية والمالية للزاوية البودشيشية، بينما يحتفظ لنفسه بـ”السر الرباني والروحي” كشيخ ثان للزاوية، فلم يكن هذا الكلام مجرد تفصيل تنظيمي داخلي، بل كشف عن محاولة منير الإبقاء على سلطته من وراء ستار، في ازدواجية غير مسبوقة داخل الزوايا المغربية، حيث لم يعرف أن زاوية واحدة قادها “شيخان” في الوقت نفسه.
إقحام اسم الملك في رسالة مبطنة
والأخطر أن منير القادري البودشيشي، في كلماته المبطنة، ألمح إلى أن اختيار شقيقه معاذ جاء برغبة ملكية. وهو تلميح اعتبره مراقبون خطيرا، لأنه يوهم المريدين بأن الأمر يتجاوز العائلة البودشيشية إلى قرار صادر عن المؤسسة الملكية، في حين أن المتعارف عليه، هو أن الملك محمد السادس، رغم مكانته الدستورية والدينية كأمير للمؤمنين، لا يتدخل في مثل هذه التفاصيل العائلية، وهو ما يعكس سوء تقدير من الشيخ منير، ومحاولة للاحتماء بالشرعية الملكية لتمرير قرار داخلي يفتقد للإجماع.
فكيف يعقل أن يتدخل الملك في تعيين شيخ لزاوية، مهما بلغ شأنها لدى المريدين والتابعين؟ وكيف يتم الزج باسمه في صراع هو أكبر منه ويظل في نطاق خصوصيات العائلة القادرية البودشيشية؟ ألا يعتبر هذا تقزيما لمقام المؤسسة الملكية وإقحام اسمها في صراعات عائلية لا ترقى إلى مقامها؟
فرع طنجة يزيد الطين بلة
ولم يقف الأمر عند تصريحات الشيخ منير وحده، بل امتد إلى فروع الزاوية، حيث أصدر فرع البودشيشية بطنجة ليلة أمس (الاثنين)، بلاغا مثيرا للجدل، راج في مواقع التواصل الاجتماعي على أوسع نطاق، أقحم فيه بدوره اسم الملك، وذهب أبعد من ذلك حين استعمل في بلاغه عبارات مأخوذة حرفيا من الخطاب الملكي حينما تحدث جلالته عن مدونة الأسرة، من قبيل: “ما أحلّه الله لا يُحرم وما حرّمه الله لا يُحلل”، وكأنه يوجه الكلام للملك محمد السادس، على خلفية تصريح الشيخ منير.
وأوحى البلاغ وكأن اختيار معاذ شيخا للطريقة كان قرارا ملكيا، وأيضا، كأن المريدين يلمحون إلى أن الملك مطالب بالتدخل أو أن موقفه ينسجم مع اختيار معاذ القادري شيخا للزاوية، وهذه الإحالة المباشرة على خطاب ملكي في سياق نزاع عائلي داخلي، لا يمكن فهمها إلا كنوع من المقارنة الخطيرة وغير اللائقة بين مقام المؤسسة الملكية وقضايا أسرة دينية صوفية، وهو ما يطرح سؤالا عن حدود اللياقة السياسية والروحية لدى من يفترض أنهم دعاة للزهد والتربية الروحية.
أزمة أخلاقية وتربوية
والسؤال الذي يطرح نفسه، هل هذه هي الأخلاق والتربية الروحية والوطنية التي طالما ادعى الشيخ منير القادري أنه يزرعها في مريديه؟ فأن يستعمل اسم الملك في غير محله، ويزج به في نزاع عائلي داخلي، أمر يظهر افتقارا كبيرا للنضج الروحي والمسؤولية الوطنية.
بل إن هذه الممارسات يمكن قراءتها كنوع من العصيان الرمزي للسدة الملكية، من خلال نسب قرارات وهمية إليها، مما قد يعتبر تجاوزا خطيرا في الأعراف السياسية والدينية بالمغرب.
الزاوية في مفترق طرق
وبين شيخين متنازعين، وبلاغات فروع تستعمل اسم الملك كدرع، التي لحد الان لم يصرح الشيخ منير البودشيشي على أنها كاذبة أو صحيحة ويوضح للمريدين وللرأي العام في مقطع فيديو صحتها أو بطلانها، والتناقضات في الخطاب، تبدو الزاوية القادرية البودشيشية في مفترق طرق حاسم: إما أن تعود إلى جوهر التصوف القائم على التواضع والصدق، أو تستمر في الانزلاق نحو تسييس الدين واستعمال رمزية الملك في نزاعاتها الداخلية. وفي الحالتين، الخاسر الأكبر هو صورة التصوف المغربي، الذي يفترض أن يبقى بعيدا عن حسابات السلطة والشرعية السياسية.

