كان رحيل الشيخ جمال الدين القادري بودشيش، مناسبة لكشف المستور داخل الزاوية البودشيشية. فبينما جاء موقف المجلس الأعلى للأشراف في ليبيا واضحا لا لبس فيه، حين وجه برقية تعزية إلى الشيخ معاذ القادري بودشيش باعتباره الخليفة الشرعي والوريث الروحي، اختارت الحركة الشعبية في المغرب أن تسبح عكس التيار، بعد أن بعث أمينها العام محمد أوزين برقية تعزية رسمية باسم الحزب إلى منير القادري بودشيش، واصفا إياه ب”شيخ الزاوية القادرية البودشيشية”. وهو التناقض الذي يثير أكثر من سؤال حول من يحاول صناعة شيخ جديد على المقاس.
شيخ الشرعية مقابل شيخ الأحزاب
وتبدو الصورة اليوم أكثر وضوحا، إذ أن معاذ القادري بودشيش يبرز ك”شيخ الشرعية”، مدعوما ببيعة المريدين وباعتراف جهات خارجية مثل المجلس الأعلى للأشراف في ليبيا، ما يمنحه غطاء روحانيا ومكانة طبيعية كخليفة شرعي للزاوية.
في المقابل، يظهر منير القادري بودشيش ك”شيخ الأحزاب”، يسعى لتعويض فقدانه ثقة القصر وغياب الاستقبال الملكي عبر الاحتماء ببرقيات حزبية، مثل برقية حزب الحركة الشعبية التي قدمت له لقب الشيخ رسميا.
سقوط أخلاقي قبل أن يكون سياسيا
ويبدو أن تصوف الزهد والورع، الذي يفترض أن يعلو على المساومات، ينحدر اليوم إلى مستوى المساومة الانتخابية. منير القادري بودشيش، الذي كان يقدم كوارث للسر الروحي، صار يتقمص دور وكيل انتخابي محتمل، بينما مريدو الزاوية يجدون أنفسهم بين مطرقة الانقسام الداخلي وسندان الاستغلال الحزبي. إنها صورة مشينة تسيء للتصوف المغربي وتحوله من مدرسة للتربية الروحية إلى ورقة انتخابية رخيصة.
الخلاصة.. أي شيخ للمستقبل؟
بين “شيخ الشرعية” الذي يمثله معاذ القادري بودشيش، و”شيخ الأحزاب” الذي يحاول منير أن يفرض نفسه عبره، تقف الزاوية القادرية البودشيشية اليوم على مفترق طرق خطير.
فإذا كان الخارج قد حسم الموقف لصالح معاذ بودشيش، فإن الداخل الحزبي يبعث برسائل ملغومة قد تجعل الطريقة مطية انتخابية. والنتيجة واحدة، الزاوية التي كانت تقدم كمعقل للصفاء الروحي أصبحت اليوم مسرحا لتضارب الشرعيات، وساحة تباع فيها الولاءات بين السياسة والتصوف.


