Site icon H-NEWS آش نيوز

الحرب العقائدية والدينية في غزة

هشام بنوشن

يظل الصراع في فلسطين من بين كل أشكال العنف التي يشهدها العالم، واحدا من أكثر النزاعات المشحونة بالعقيدة والتبريرات الدينية، من حيث التصريحات والشعارات وكذلك من حيث العمق الفكري والبنى الأيديولوجية التي تؤطر الصراع.

وهنا، لا بد من فهم الأسباب العقدية كجزء من بنية هذا الصراع، بهدف تفكيك الكيفية التي تستخدم بها النصوص والمفاهيم الدينية والرموز لتغذية الحرب وتبرير ممارسات لا تمت للرحمة أو العدالة الإلهية بصلة.

أولا: الصهيونية الدينية

رغم أن الصهيونية نشأت كحركة علمانية أوروبية في أواخر القرن التاسع عشر، إلا أن جزءا كبيرا من تطورها بعد ذلك – خاصة بعد احتلال الضفة الغربية والقدس عام 1967 – ارتبط بما يعرف بـ”الصهيونية الدينية”، و التي تستند إلى قراءة حرفية وانتقائية للنصوص التوراتية.

المفاهيم المؤسسة:
أرض الميعاد : يعتقد في بعض التفسيرات أن الله وعد بني إسرائيل بأرض تمتد من النيل إلى الفرات، ويستخدم هذا كمرجعية شرعية لتبرير الاستيطان ورفض أي وجود فلسطيني.
شعب الله المختار: تقدم على أنها مكانة روحية، لكنها في الممارسة السياسية توظف لتبرير التفوق، والحق الحصري في الأرض، وشيطنة الآخر.
الحرب المقدسة: بعض الحاخامات يرون في القتال ضد الفلسطينيين وصية دينية، وهو ما ظهر في فتاوى تجيز قتل المدنيين، وتدمير البيوت، وتبرير الحصار.

التوظيف السياسي:

تحولت هذه المفاهيم العقدية إلى جزء من الخطاب الرسمي لدولة إسرائيل، لا سيما في الحكومات اليمينية والدينية التي تعتبر أن التراجع عن الأراضي المحتلة أو تقديم تنازلات يخالف إرادة الرب.

ومن أمثلة ذلك، تصريحات الحاخام “إليعيزر كاشتئيل” التي وصف فيها العرب بـ”الحمقى الذين يجب أن يُستعبدوا”، وفتاوى صادرة عن “مجلس حاخامات المستوطنين” تجيز تدمير قرى فلسطينية كاملة باعتبارها عقابا إلهيا مستحقا”.

واخر توظيف سياسي لهذه المفاهيم الدينية كان من طرف رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في اخر تصريح له حيث أكد على أنه في طريق تحقيق حلمه بدولة إسرائيل الكبرى وعرضه خريطة تضم أراض مصرية واردنية.

ثانيا: الرؤية الإسلامية

في الطرف المقابل، تنطلق الحركات الإسلامية المقاومة في غزة من مرجعية عقدية واضحة، تؤسس لشرعية المقاومة ضد الاحتلال، وتقدم الصراع باعتباره جهادا دفاعيا لحماية الأرض والإنسان والكرامة.

الأسس العقدية:

الجهاد المشروع: في الفكر الإسلامي، للجهاد شروط، من أهمها: دفع العدوان وعدم استهداف الأبرياء والتزام الأخلاق في الحرب.
الربط بالعقيدة: ينظر إلى المقاومة على أنها واجب شرعي، وليس فقط خيارا سياسيا، فالدفاع عن الأرض المغتصبة واجب على المسلمين كافة.
المظلومية التاريخية: هناك إدراك بأن فلسطين ليست فقط مجرد “أرض”، انها قضية أمة، ترتبط بعقيدة المسجد الأقصى والعداء مع قوى الظلم والاستكبار حسب المروية الاسلامية.

المخاطر:
رغم شرعية المقاومة، هناك تحديات من بينها :

في بعض الخطابات، يتم المبالغة في توظيف المفردات العقدية، ما قد ينتج تصورات مغلقة تصعب من إمكانيات الحلول السلمية، أو تستغل من قبل خصوم القضية الفلسطينية.
قد يتم تأويل مفاهيم مثل “النصر الإلهي”، و”الابتلاء”، بطريقة تخفف من المسؤولية السياسية والاخلاقية تجاه المدنيين.
لكن من المهم التفريق بين المقاومة التي تستند إلى مرجعية دينية أخلاقية، وبين توظيف الدين خارج إطار الضوابط الشرعية لتحقيق مصالح سياسية أو شعبوية.

ثالثا: التسييس العالمي للدين

إن الخطير في هذا الصراع ليس فقط ما يقوله المتطرفون من الطرفين، بل صمت الوسط الديني العالمي، أو انحيازه المغلف بالدبلوماسية.

في الغرب:
كثير من الساسة المسيحيين، خصوصا من التيار الإنجيلي في أمريكا، يرون في قيام “دولة إسرائيل” تحقيقا لنبوءات الكتاب المقدس، ويقدم الدعم المطلق لها على أنه “أمر إيماني”.

الكنائس الكبرى تتردد أحيانا في إدانة ما يجري من انتهاكات، بحجة الحياد أو “تعقد المشهد”، رغم وضوح الجرائم.

غياب الصوت الديني الموحَّد:

لا نرى تحالفا دينيا عالميا يدعو بوضوح إلى رفض استخدام الدين لتبرير الحرب والتجويع والحصار.
يخلق الصمت الديني من المؤسسات الكبرى (الإسلامية، المسيحية، اليهودية المعتدلة) عن معاناة المدنيين فراغا أخلاقيا يُملأ بالتطرف.
رابعا: هل الصراع ديني حقا؟ أم صراع على تأويل الدين؟

الواقع أن الحرب في غزة ليست حربا دينية بمعناها الجوهري، بل هي حرب سياسية عسكرية تستعمل الدين كغطاء عقدي لتبرير الممارسات.

الصراع ليس بين “اليهودية والإسلام”، بل بين الاحتلال والمقاومة.

ليس كل من يدعم إسرائيل يهوديا، وليس كل من يقاوم مسلما. هناك مسيحيون فلسطينيون يحاصرون ويجوعون، ويقاتلون لأجل الكرامة.
المتطرفون على الجانبين يستخدمون نفس الأداة: تحريف النصوص الدينية لخدمة أجندات قومية شوفينية واستراتيجية كذلك.
إن تجريد العقيدة من قيمها الروحية واستخدامها كأداة في يد السياسة والسياسيين، يحولها من وسيلة تهذيب للنفوس إلى سلاح في يد المتطرفين.

في الأخير يمكن القول بأن كل حرب تشن باسم الرب، وتستخدم فيها أدوات كالقتل والحصار والتجويع، لا تمثل الرب، بل تمثل من يعبدون مصالحهم باسم الرب.

هشام بنوشن: باحث في العلوم السياسية

Exit mobile version