تستعد جبهة البوليساريو الانفصالية لعقد مؤتمرها المقبل وسط أجواء مشحونة بالخلافات الداخلية، بينما يواصل زعيمها إبراهيم غالي، الذي يواجه متاعب صحية وتقدما في السن، ترتيب البيت التنظيمي على مقاسه، عبر إبعاد الأصوات المعارضة التي قد تهدد إعادة انتخابه أو تضعف قبضته على مسار الخلافة.
وأحدث هذه الخطوات تمثل في تعيين إبراهيم أحمد محمود بيد الله، المعروف بـ”غريغاو”، ممثلا للجبهة في كوبا، وهو منصب يصفه معارضون بأنه أشبه بـ”منفى مرفه” يبعده عن المخيمات ويقصيه من التأثير المباشر على القواعد. بيد الله يُعد من القيادات ذات الوزن داخل الجبهة ويحظى بشعبية بين الشباب وبعض القبائل، ما جعله مصدر قلق لغالي رغم فقدانه ثقة الجزائر، الداعم الرئيسي للبوليساريو.
خصم داخلي مزعج
“غريغاو” لم يكن قياديا عاديا، فقد شغل لسنوات مواقع حساسة في الأجهزة الأمنية والعسكرية، قبل أن يدخل في خلاف مع غالي انتهى بتهميشه. رمزية شخصيته تعززها أيضا جذوره العائلية، فهو شقيق السياسي المغربي البارز محمد الشيخ بيد الله، الذي عاد إلى المغرب وصار من أشد المدافعين عن مغربية الصحراء، وهو ما يثير قلق القيادة الجزائرية من أي تقاطعات قد تضعف سيطرتها.
ومنذ استبعاده من مواقع القرار، لم يتردد بيد الله في توجيه انتقادات علنية لخيارات غالي، خصوصا بعد إعلان “استئناف الحرب” ضد المغرب في 2020، حيث حذر من توسع الجيش المغربي في المناطق التي تعتبرها الجبهة “محررة”.
وجعلت هذه المواقف منه أحد أبرز الأصوات المعارضة داخل المخيمات، إلى جانب البشير مصطفى السيد، الذي حصل في مؤتمر 2023 على 31% من الأصوات مقابل 69% لغالي. ومع إبعاد بيد الله، لم يتبقَّ من المنافسين الجديين لغالي سوى البشير مصطفى السيد.
أزمة شرعية داخلية وخارجية
وتكشف هذه الخطوة أزمة شرعية مزدوجة تعيشها قيادة البوليساريو: داخليا مع شباب المخيمات الذين يطالبون بـ”تصحيح المسار” وينادون بمؤتمر استثنائي منذ 2024، وخارجيا مع تراجع الدعم الدولي للجبهة وتنامي الاعتراف بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي. وفي محاولة لتدارك الموقف، ترفع القيادة خطابها عن “الالتزام بالقانون الدولي الإنساني” وتتهم خصومها بـ”شيطنة النضال”، لكنها تواجه عزلة متزايدة إقليميا ودوليا.
وبتعيين بيد الله في كوبا، يكون غالي قد نجح في إفراغ المخيمات من أحد آخر الأصوات المزعجة داخليا، ما يمهد لمؤتمر يدار من دون مفاجآت أو منافسة جدية. غير أن هذا المسار يعكس طبيعة نظام مغلق يسعى إلى تأبيد السيطرة بدلا من فتح الباب أمام تجديد القيادة أو إعادة رسم الاتجاه السياسي للجبهة، بما يرضي رعاتها في الجزائر ويحافظ على الوضع القائم.


