عاشت العديد من المدن المغربية، وعلى رأسها الرباط، العاصمة الإدارية، والدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية، احتجاجات لمجموعات من الشباب المغربي يطلقون على أنفسهم “جيل زد”، تعامل معها الأمن يما يلزم من صرامة وصلت أحيانا إلى العنف والتوقيف أيضا، أولا لأنها غير مرخصة، ثم لأنها غير واضحة المعالم، ولا تعرف الجهة التي دعت إليها، وخرجت من رحم الفضاء الأزرق و”الأحمق”، الذي يسمى “فيسبوك”، بكل ما يحبل به من ناشطين معتوهين و”قلال الترابي” وصعاليك وخونة ومبتزين وأشباه صحافيين، إلا من رحم ربك من الذين يتفرجون ويحوقلون ويقولون مع أنفسهم وهم يقرؤون التعاليق التي تفتقر للذوق وتمتلئ بالأخطاء اللغوية: “البلاد مشات”.
خرج “الكتاتبية” و”الفهاماتورة” يهللون ويصرخون ويدافعون عن الشباب وعن “جيل زد”، ويؤكدون ضرورة الاستماع إليهم والجلوس معهم وتلبية مطالبهم، وينددون بالطريقة القمعية التي تتعامل معهم بها قوات الأمن، المغلوبة على أمرها أصلا، لأنها مطالبة باحتواء الاحتجاجات والسيطرة عليها كي لا تنقلب إلى تهديد للسلم الاجتماعي، دون أن تنزلق إلى ما لا تحمد عقباه. لكن، لم يقل لنا أحد من يمثل فعليا هذا “الجيل زد”؟ هل الشباب “المشرمل” المتخصص في “الكريساج” والسرقة والنشل على الدراجات النارية؟ أم الشباب المدمن، الغائب عن الوعي طول الوقت، وأقصى طموحاته أن يعمر المزاج بسيجارة حشيش أو سطر كوكايين أو حبة “إكستازي”؟ أم ذلك الذي أوقف تعليمه ويحلم ليل نهار ب”الحريك” ويؤدي من أجل مغامرته غير محسوبة العواقب ملايين السنتيمات لركوب “زودياك” معتقدا أن العالم الآخر سيلاقيه بالأحضان ويغدق عليه الأموال؟ أم الشباب من أبناء “لاميسيون”، الذين يرطنون الفرنسية والإنجليزية ويعيشون في مغرب لا يعرفون عنه شيئا ولا يهمهم أن يعرفوا؟ أم هؤلاء المشتتون في “تيك توك” و”إنستغرام” يبحثون عن “الهمزة” و”الفلوس السهلة” ويحترفون فن استقطاب “المكبسين” ولو على حساب كرامتهم وعزتهم ونخوتهم؟ أم هم “الألتراس” و”الحياحة” الذين يكسرون الدنيا سواء فاز فريقهم أم خسر؟ أم الذين يكدون ويجتهدون ويشتغلون ليل نهار من أجل مستقبل أفضل، وما أقلهم؟ من هو هذا “الجيل زد” الذي تتحدثون عنه؟ أم أن الأمر يتعلق بأجيال متعددة ومختلفة التوجهات والاهتمامات؟
ثم ماذا يريد هذا “الجيل زد” الذي خرج للاحتجاج والتعبير عن صوته، الغائب تماما في الانتخابات وعن العملية السياسية برمتها؟ هل يريد أن تخرج الدولة فانوسا سحريا لتتحقق جميع المتطلبات، وتصبح الصحة بخير ويكون التعليم جيدا بعد يومين من المظاهرات؟ ومع من سيتحاور “المخزن”؟ مع صفحات ومجموعات مجهولة على منصات التواصل الاجتماعي، يستعمل أعضاؤها أسماء مستعارة ولا يجرؤون على الكشف عن هوياتهم الحقيقية؟ أسئلة أخرى تطرح نفسها بإلحاح أيضا. لماذا خرج هؤلاء الشباب في هذا التوقيت بالذات؟ بعد تسريبات “جبروت” ومقالات “لوموند” وخرجات بعض “الناشطين” الفيسبوكيين والتيكتوكيين وأشباه الصحافيين الذين يغتنمون “الوجيبة” من أجل تصفية حساباتهم مع مؤسسات وأشخاص بعينهم، وآخر همهم مطالب الشباب لا من “جيل زد” ولا “إكس” ولا “قيمش”، وعلى بعد شهور فقط من انتخابات 2026؟ ولماذا يرددون بصوت واحد نفس المطالب ونفس الشعارات وهم يحرصون على تأكيد تشبثهم بالملكية وحبهم للوطن؟ أليس من بينهم متمرد يعطي تصريحا مختلفا لوسائل الإعلام؟
المحتجون من هؤلاء الشباب، يدعون إلى التجمهر من خلال منصة افتراضية تنشر رسائل ملغومة، من بينها تحويل الاحتجاجات إلى الطرق السيارة، وهو ما تم فعلا، لنشاهد فيديوهات تكسير وعنف وعرقلة للسير العام ومواجهات خرجت عن “سلمية”، وتكاد تتحول إلى “جنوية”، في مشاهد ما زال بعض “تابعي جيلالة بالنافخ” يعتبرونها تعبيرا حضاريا عن الرفض والاحتجاج، في حين أنها لا تعدو أن تكون سلوكات عدوانية ستؤدي لا محال إلى “روينة” نحن في غنى عنها في بلد شق بالفعل طريقه نحو الإصلاح، رغم الأخطاء والمشاكل والهفوات.
“جيل زد” الذي يتحدث عنه الجميع ولا أحد يعرفه، أسمع صوته للداخل وللخارج أيضا. ورسالته وصلت رغم أن مطالبه قديمة، ومنح الفرصة للعديد من المتربصين للركوب عليها، فخرجت عن مشروعيتها. هذا الجيل الرقمي موجود في جميع المجتمعات والدول، كونته التكنولوجيا وأطرته منصات التواصل الاجتماعي، لا يؤمن بصناديق اقتراع ولا انتخابات، وحتى مفهومه للتغيير الذي ينشده قد يكون ملتبسا. جيل زد يعيش معنا في بيوتنا. إنهم أبناؤنا الذين ندللهم ونغنجهم ونلبي كل طلباتهم في حدود الممكن، لكنهم حين يخرجون عن طوعنا، نحاول إعادتهم إلى الصواب. لا نفهمهم في غالب الأحيان، ويفاجؤوننا دائما بأفكارهم وتوجهاتهم، لكننا نمني النفس بأنهم سيصبحون أكثر نضجا مع السنوات. لا يمكننا أن نسلمهم “اللجام”، لأنهم ثائرون بحكم سنهم، مثلما كانت أجيال قبلهم، قبل أن “تحكها” الدنيا ومسؤوليات الحياة.
إيوا الله يهدي جيل زد.
