أكد يوسف المساتي، الباحث في التاريخ، أن ذكرى المسيرة الخضراء هي تذكير بأن قوة المغرب، هي دائما في ذلك التلاحم الفريد بين العرش والشعب، والذي ظهر بالأمس في “طريق الوحدة”، ثم في “المسيرة الخضراء“، واليوم في دبلوماسية “الحكم الذاتي”، مشيرا إلى أن التحول الذي نشهده اليوم في المواقف الدولية، بخصوص القضية الوطنية الأولى، عبر القرارات الأممية المتتالية، وآخرها الاعتراف بأن مبادرة الحكم الذاتي هي “المنطلق والأساس الجدي وذو المصداقية” للمفاوضات، هو تتويج لخمسين عاما من الصمود والبناء، واعتراف بأن المغرب انتقل من المطالبة بالشرعية التاريخية في 1975، إلى قيادة الحل السياسي الواقعي والمستقبلي في 2025.
واعتبر المساتي، أن من الضروري تاريخيا، والمغاربة يخلدون اليوم (الخميس)، الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، استحضار هذا الحدث الاستثنائي في سياقه الأوسع، ليس كفعل معزول، بل كذروة ملحمية ضمن سلسلة من الملاحم الوطنية التي شكلت وعي المغاربة وجسدت إرادتهم في استكمال الوحدة الترابية، مذكرا بأن المغرب، عندما نال استقلاله في 1956، كان استقلالا منقوصا، وورث ترابا مجزأ بفعل التقسيم الاستعماري، ليدرك المغاربة حينها، بقيادة الملك محمد الخامس، أن معركة التحرير لم تنته بعد.
ملحمة طريق الوحدة
وأوضح يوسف المساتي، في اتصال ب”آش نيوز”، أن المسيرة الخضراء لم تكن المحطة الملحمية الأولى. إذ في عام 1957، وبعد عام واحد فقط من الاستقلال، تجلت عبقرية الإجماع الوطني لأول مرة في “ملحمة طريق الوحدة”، الذي لم يكن مجرد مشروع بنية تحتية لربط الشمال بالجنوب (بين تاونات وكتامة)، بل كان ورشا وطنيا تعبأت له جموع المتطوعين من كل أنحاء المغرب، يتقدمهم شباب الحركة الوطنية والأحزاب السياسية على اختلاف مشاربها، مضيفا أنه شكل درسا أوليا في أن القضايا الوطنية الكبرى تبنى بتلاحم العرش والشعب، وأن الخلافات الإيديولوجية تذوب أمام نداء الوطن.
وأبرز المساتي، في الاتصال نفسه، أن هذا النفس الوحدوي استمر باسترجاع طرفاية في 1958 وسيدي إفني في 1969 عبر المسار الدبلوماسي. لكن التحدي الأكبر ظل متمثلا في الأقاليم الصحراوية الخاضعة للاستعمار الإسباني. ففي الوقت الذي كان المغرب يطالب بحقه التاريخي، كانت سياقات الحرب الباردة والمناورات الإقليمية تزداد تعقيدا، لنشهد في مطلع السبعينيات محاولات لتأسيس جبهة “البوليساريو”، التي بدأت كحركة تحررية تطمح للتغيير داخل إطار السيادة المغربية، كما تؤشر على ذلك رسائل موجهة من مؤسسها مصطفى الوالي السيد، قبل أن تتحول سريعا إلى حركة انفصالية تلقت دعما ماليا من أطراف إقليمية (خاصة الجزائر وليبيا القذافي)، بهدف واضح لاقتطاع هذه الأراضي من سيادتها المغربية وخلق كيان مصطنع لخدمة أجندات جيو-سياسية معادية لوحدة المغرب.
المسيرة لحظة إجماع وطني مطلق
وقال يوسف المساتي: “أمام هذا الوضع، وبعد صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الذي وإن أقر بروابط البيعة والولاء التاريخية بين العرش والقبائل الصحراوية، إلا أنه رفض مبدأ السيادة، في تناقض جلي دفع الملك الراحل الحسن الثاني إلى اعتباره رأيا مسيسا، ليأتي الرد المغربي بعبقرية استثنائية. إذ لم تكن المسيرة الخضراء مجرد قرار سياسي، بل كانت استدعاء لروح طريق الوحدة، ولكن على نطاق أوسع، باعتبارها لحظة إجماع وطني مطلق. فكما انصهرت كل التباينات السياسية والإيديولوجية في ورش البناء الأول، انصهرت مجددا في مسيرة التحرير الثانية، وانخرط 350 ألف مغربي ومغربية، من اليمين واليسار، ومن كل الأطياف، متسلحين بالقرآن والعلم، ليثبتوا للعالم أن قضية الصحراء هي عقيدة وطنية لا تقبل المساومة”.
وأورد المساتي أن هذا الإجماع الداخلي الصلب، هو ذاته الذي أفرز، برؤية ملكية متبصرة للملك محمد السادس، مبادرة الحكم الذاتي في 2007، بوصفها رفضا صريحا لمخطط التقسيم الذي كانت تروج له أطراف أخرى. إذ قامت الرؤية الملكية للحكم الذاتي على نفس فلسفة ملاحم الوحدة: حل سلمي، واقعي، قائم على التوافق، يضمن السيادة المغربية، ويتيح للسكان المحليين تدبير شؤونهم.


