في حوار حديث مع “بي بي سي عربي”، قدم عمر هلال، الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، رؤية شاملة للأسباب التي دفعت المملكة إلى طرح مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، مشيرا إلى أن الهدف الأساس منها هو ترسيخ علاقات حسن الجوار مع الجزائر، ووضع حد لنزاع أعاق تطور منطقة المغرب العربي طوال عقود.
وأكد هلال أن المبادرة جاءت كخيار سياسي متقدم لفائدة الصحراويين المحتجزين في مخيمات تندوف، حتى يتمكنوا من العودة إلى أسرهم ومناطقهم، معتبرا أن الخطوة كانت تعبيرا واضحا عن حسن نية المغرب تجاه جيرانه والمنطقة برمتها.
تحول في موقف الرباط.. وانخراط في المسار الأممي
وأشار السفير عمر هلال إلى أن موقف المغرب في البداية كان حاسما: “الصحراء مغربية ولا نقاش في ذلك”. غير أن تدخلات الأمم المتحدة ومواقف عدد من الدول الصديقة دفعت المملكة إلى الانخراط في مسار سياسي يمنح كل الأطراف فرصة للحوار، مع توفير مخرج دبلوماسي يسمح للجزائر بالحفاظ على ماء الوجه، ويفتح المجال أمام العناصر المسلحة فوق أراضيها للعودة إلى الصحراء ضمن إطار سلمي.
وأوضح هلال أن المغرب كان قادرا على تطبيق مشروع الحكم الذاتي من جانب واحد، لكنه فضل الإبقاء على العملية تحت إشراف الأمم المتحدة لضمان توافق شامل، وللوصول إلى اتفاق نهائي وملزم، لا يمكن تحقيقه إلا عبر قرار جديد صادر عن مجلس الأمن.
الجزائر تدخل على الخط.. عطاف يعلن “استعداد الوساطة”
وفي تطور لافت، أعلن وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، أمس (الثلاثاء)، عن استعداد بلاده للعب دور الوساطة وتسهيل مفاوضات مباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو، في خطوة قال إنها تهدف إلى الدفع نحو حل سياسي نهائي ومقبول من الطرفين لقضية الصحراء.
وكشف عطاف، خلال ندوة صحفية، أن قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797 يوفر “إطارا مناسبا” لإطلاق هذا المسار، باعتباره يدعو طرفي النزاع – المملكة المغربية والبوليساريو – إلى الانخراط في مفاوضات مباشرة للتوصل إلى حل. وأكد أن الجزائر، بصفتها دولة جارة، “لن تدخر جهدا” في دعم أي مبادرة وساطة تندرج ضمن الإطار الأممي الحصري.
وأوضح الوزير أن موقف بلاده نابع من “حرصها على أمن واستقرار جوارها الإقليمي”، خاصة وهي على وشك إنهاء عضويتها داخل مجلس الأمن، مؤكدا أن عهدتها الدبلوماسية سعت إلى أن تكون “عهدة وفاء” لمبادئها، وعلى رأسها دعم الحلول السلمية والسياسية للنزاعات.
وأضاف عطاف أن الجزائر، التي اعتمدت مقاربة التشاور مع شركائها العرب خلال العامين الماضيين، ترى أن الوقت قد حان لتكثيف الجهود الدبلوماسية. وشدد على أن حل النزاع “لا يمكن أن يكون إلا سلميا وسياسيا”، وأن الجزائر مستعدة لـ“مد يدها” لإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
رسالة واضحة إلى البوليساريو: “حدودنا ومواطنونا محميون”
وفي رسالته الموجهة إلى زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، شدد عمر هلال على أن المغرب يملك كامل الوعي والجاهزية للرد على أي تهديدات، مؤكدا أن “حدود المملكة ومواطنيها محميون”. واستحضر في هذا السياق تأكيد الملك محمد السادس، في نونبر 2020، احترام المغرب لوقف إطلاق النار الموقع سنة 1991، مع الاحتفاظ بحقه في الدفاع عن وحدته الترابية عندما أعلنت الجبهة “حربها” ضد المملكة في 13 نونبر 2020.
معركة تقنية وقانونية في الأفق
ويرى خبراء مغاربة ودوليون أن المرحلة المقبلة لن تكون سياسية فقط، بل ستعتمد على معارك قانونية وصياغية دقيقة، وعلى قدرة كل طرف على إثبات الانسجام والاتساق الداخلي. ويوضحون أن أي مخطط للحكم الذاتي يجب أن يضمن “توازنا شاملا” ويرسم بدقة الدور الحقيقي للجزائر باعتبارها طرفا رئيسيا، مع الحفاظ على الوحدة الوطنية والارتباط العضوي بين الحكم الذاتي والوحدة الترابية للمملكة.
كما شدد محللون على ضرورة انسجام الصيغة النهائية للمخطط مع الدستور المغربي وقوانين الجهوية المتقدمة وكافة التطورات المؤسساتية التي عرفتها البلاد منذ 2007، بما يعزز الشرعية الداخلية ويمنح إشارات قوية إلى المجتمع الدولي بأن المبادرة المغربية ليست فقط سياسية، بل تحمل أساسا قانونيا ومؤسساتيا متينا.

