يشهد المغرب خلال الأيام الأخيرة سلسلة من الاعتقالات في صفوف بعض صناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، بالتوازي مع محاكمة عدد من فناني الراب مثل Pause Flow والرائد وغيرهما. وقد أثارت هذه القضايا نقاشا واسعا حول حدود حرية التعبير، وواجب حماية المجتمع، وخاصة الأطفال، من الممارسات التي قد تسقط في خانة التشهير أو نشر مواد لا أخلاقية، أو الترويج للتفاهة وإفساد الذوق العام.
وبين هذين القطبين المتعارضين، يجد المجتمع المغربي نفسه أمام سؤال مركزي هو: كيف نضمن حرية التعبير المكفولة دستوريا دون السماح بتدمير قيم المجتمع و انتهاك حقوق الآخرين؟
حرية التعبير حق دستوري لا جدال فيه، لكن بمسؤولية
نص دستور 2011، وخاصة الفصل 25، على أن حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها، لكن هذه الحرية ليست مطلقة، إذ يحددها القانون الجنائي وقوانين الصحافة والنشر، التي تجرم التشهير والقذف في حق الأشخاص ونشر مواد إباحية أو مسيئة للقاصرين والتحريض على العنف أو التمييز أو الكراهية والمس بحقوق الغير وخصوصيتهم، غير أن المشكلة لا تكمن في وجود القانون، بل في الحدود الدقيقة بين النقد المباح والتشهير المجرم، وبين الإبداع الفني والإساءة الأخلاقية، وبين حرية التعبير ونشر التفاهة أو الإضرار بالنظام العام.
اعتقال صناع المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي: هل هو ضرورة أم شطط؟
أثارت إجراءات توقيف بعض المؤثرين الذين يقدمون محتوى اعتبر خادشا للحياء أو مضللا، نقاشا مجتمعيا واسعا. حيث يرى البعض في هذه الاعتقالات استعادة لهيبة القانون وحماية للأطفال والقاصرين من محتوى مسيء وضبطا للفوضى الرقمية التي جعلت الربح السريع أهم من جودة المحتوى، بينما يرى آخرون أنها تضييق على التعبير الشعبي الرقمي وتدخل مبالغ فيه في الفضاء الافتراضي ومحاولات لإعادة فرض نموذج موحد للسلوك العام.
ولعل الإشكال الأكبر هو غياب معايير واضحة تحدد الخط الفاصل بين المحتوى المرفوض قانونيا، والمحتوى المستفز، لكنه مباح ضمن حرية التعبير.
فنانو الراب بين الإبداع والاتهام: حين ترسلك أغنية الى غياهب السجن
فنانو الراب، مثل Pause Flow والرائد وغيرهما، وجدوا أنفسهم أمام تهم مرتبطة بكلمات أغانيهم أو سلوكياتهم خارج نطاق الإبداع. وكما يعلم الجميع فالراب بطبيعته فن احتجاجي، صادم وثوري. لكن التحدي الحقيقي يظهر عندما يتقاطع مع إهانة شخصيات أو مؤسسات والتحريض أو التهديد واستعمال قاصرين أو الإيحاءات الجنسية والمساس بالحياء العام.
يحق للفنان أن يعبر عن غضبه وعن واقعه وعن رؤيته للمجتمع. لكن يبقى عليه أن يدرك أن الفن ليس ملاذا آمنا للإفلات المطلق من العقاب، كما أن القانون يجب أن يطبق دون أن يتحول إلى أداة لكبح الفن و الإبداع.
التقاليد والثقافة المجتمعية: هل يمكن أن تكون معيارا قانونيا؟
يستند جزء من هذا الجدل إلى “احترام التقاليد والقيم المغربية”، لكن القيم ليست مفهوما ثابتا: فهي تتغير وتختلف حسب الأجيال والطبقات والمناطق. لذلك يصعب جعلها معيارا تشريعيا واضحا، إلا في حدود ما يرد في القانون والأعراف التي تضمن الصالح العام دون اعتداء على الحريات.
يظهر الإشكال عندما تُستخدم التقاليد والثقافة المجتمعية كمبرر واسع وفضفاض يسمح بتأويلات متعددة، قد تؤدي إلى تقييد مبالغ فيه للمحتوى الرقمي ومعاقبة السلوك المختلف فقط لأنه غير مألوف، وهذه مخاطرة يجب الحذر منها.
نشر التفاهة: مشكلة أخلاقية وثقافية أم جريمة قانونية؟
يشعر المجتمع بانزعاج من موجة المحتوى السطحي والتافه. لكن التفاهة ليست جريمة، ولا يمكن محاسبة الناس على أذواقهم، بل يمكن محاربة المحتوى المضلل، والذي يستغل القاصرين وكذلك الذي يروج للمخدرات أو العنف أو الدعارة، أو يستهدف الأشخاص بالتشهير والقذف والسب والمساس بالحياة الحميمية والخاصة للأشخاص.
يمكن محاربة الرداءة والتفاهة عن طريق دعم المحتوى الجاد والهادف، وتطوير التعليم الإعلامي والتربية الرقمية للأطفال وكذلك تعزيز الثقافة الرقمية ودعم صناع المحتوى المحترفين.
ان القانون لا يبني الذوق العام بل الثقافة من يفعل ذلك.
كيفية تحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية؟
يمكن تحقيق التوازن المطلوب بين حرية التعبير وحماية المجتمع، باعتماد مجموعة من الإجراءات والتدابير نذكر منها ما يلي:
- تحديث شامل لقوانين الصحافة والإنترنت، بما يجعلها واضحة ودقيقة وحديثة في تعريف مفاهيم مثل التشهير الرقمي والمحتوى الإباحي والإساءة للأطفال وخطاب الكراهية وغيرهما من المفاهيم المستحدثة.
- قضاء مختص في الجرائم الرقمية وذلك لضمان فهم معمق لطبيعة المحتوى الإلكتروني وسياقه.
- تعزيز التربية الإعلامية الرقمية لدى الأسر والمدارس حتى لا يصبح الطفل ضحية المحتوى المنحط.
- دعم المحتوى الهادف وتشجيعه.
- حوار وطني حول الحرية والقيم لأن المجتمع هو من يحدد ما يقبله وما يرفضه وليس فقط القانون.
إن النقاش الدائر اليوم في المغرب حول ما يسمى بالمؤثرين وفناني الراب، هو انعكاس لتحول اجتماعي وثقافي كبير. فالمجتمع المغربي يدخل مرحلة جديدة يتعايش فيها جيل رقمي واسع التأثير، وقوانين لا تزال في طور التحديث وقيم اجتماعية جديدة تبحث عن موطئ قدم، وسلطة عامة مطالبة بحماية النظام العام دون تجاوز أو شطط في استعمال السلطة. وهنا تكمن صعوبة المرحلة.
ويبقى السؤال التالي مفتوحا للنقاش: كيف نصون الحرية دون فتح الباب للفوضى الرقمية؟
بقلم: هشام بنوشن (باحث في العلوم السياسية)

