ما يجري اليوم ليس “قضية المهداوي”… بل مسرحية سمجة يحاول صاحبها إقناع المغاربة بأنها مؤامرة كونية تستهدف “صوته الحرّ” و”مشروعه المجتمعي”، بينما الواقع أوضح من الشمس: رجل فقد وهجه، تراجع تأثيره، فاختار الهروب إلى الأمام بالصراخ والعويل، علّه يعيد إحياء المجد الافتراضي الذي لفظه الجمهور.
28 ألف تفاعل فقط في 24 ساعة؟ هذا ليس “استهدافا”. هذا إعلان وفاة سياسية وإعلامية لمشروع كان يقوم على الإثارة والتهييج وتوزيع الاتهامات يمينا وشمالا. المهداوي اليوم لا يدافع عن حرية الصحافة، ولا عن الحق في التعبير، بل يدافع عن امتيازات الفوضى التي عاش عليها لسنوات: خطاب بلا مسؤولية… اتهامات بلا أدلة… بطولات وهمية، ومتاجرة بالقضايا الإنسانية والسياسية. والأدهى من ذلك أنه يحاول بيع المغاربة قصة “الجهاز الذي يتصيّده” و”اللوبيات التي تحاربه” و”مشاريع الدولة التي يخربها”. أي دولة هذه التي ستتعب نفسها لمحاربة شخص هوت أرقامه بنسبة 98%؟ منذ متى تصبح المساطر التأديبية الطبيعية “انقلابا على الحرية”؟ ومنذ متى يصبح احترام القانون “مشروعا مناهضا لمشروعه الشخصي؟”.
ماكينة المظلومية
الحقيقة المُرّة واضحة: كلما ضاق الخناق القانوني على الدخلاء والمتجاوزين، اشتعلت ماكينة المظلومية. وعوض أن يواجه أسئلته المهنية، يختبئ المهداوي وراء الكلام الكبير: “مشروعان مجتمعيان” و”استهداف ممنهج” و”قوى مظلمة” و”سعي للتقرب من شخصيات نافذة”. كلها أساليب قديمة لخلق عدوّ خيالي يبرّر سقوطًا مهنيًا حقيقيًا. ثم تأتي القفزة الاستعراضية الكبرى: استدعاء المؤسسة الملكية في خلاف مهني بسيط، وكأن البلاد بلا مؤسسات، وبلا قانون، وبلا قضاء.
هذا ليس شجاعة… هذا ابتزاز ناعم ومحاولة إثارة العاطفة لتعويض غياب الحجة. إن مواجهة الفوضى الرقمية ليست مؤامرة، بل ضرورة وطنية. ووضع حد لخطاب التهييج ليس استهدافا، بل إنقاذ للمشهد الإعلامي من متلاعبين يلبسون عباءة الصحافة وهم منها براء. أما حميد المهداوي، فمشكلته ليست مع “مشروع مجتمعي”… بل مع حقيقة واحدة: الزمن تغير، والشارع لم يعد يصدق الحكايات القديمة، والصخب لا يصنع صحافة، والصراخ لا يبني مصداقية. وكلما ارتفع صوته… ظهر أكثر حجم الفراغ من حوله.


