حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

وقعت المخرجة مريم التوزاني، أمس (الأحد)، على فيلم سينمائي جميل مصنوع من القلب، ومعجون بالكثير من الأحاسيس والدفء، وذلك خلال مشاركتها في الدورة 22 من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش.

وأكدت مريم التوزاني، من خلال فيلمها الجديد “زنقة مالقة” الذي كتبت له السيناريو إلى جانب زوجها المخرج والمنتج السينمائي نبيل عيوش، أنها تمتلك بصمتها الخاصة التي بدأت تبرز بشكل واضح لدى الجمهور والنقاد، منذ فيلمها “أزرق القفطان“، وليست فقط نسخة أنثوية رقيقة من زوجها المثير للجدل، رغم التشابه الكبير بينهما في الرؤية السينمائية وفي اختيار المواضيع التي تعالجها أفلامهما.

معاني إنسانية ومشاعر حميمية

وقضى عشاق السينما ساعتين من المتعة السينمائية داخل قصر المؤتمرات، حيث عرض فيلم “زنقة مالقة” ضمن فقرة “غالا”، والذي اختارت له مخرجته الإسبانية كلغة للعرض، بحكم أصول جدتها الأندلسية، والتي كانت حاضرة بقوة في هذا الفيلم الحافل بالكثير من المعاني الإنسانية والمشاعر الحميمية.

تدور قصة “زنقة مالقة” في أحد أحياء طنجة، حيث ترفض عجوز إسبانية ولدت بالمدينة الدولية، مغادرة منزلها الذي عاشت فيه لسنوات طويلة، والعودة إلى إسبانيا للعيش رفقة ابنتها التي ترغب في بيع المنزل بسبب ضائقة مالية تمر بها، لتصور مريم التوزاني للمشاهدين، من خلال زاوية معالجة سينمائية متفردة، وحبكة درامية تنبض حياة، كيف يرفض الإنسان الانسلاخ عن ذاكرته وتاريخه وهويته ويتشبث بها إلى آخر رمق من حياته، رافضا العزلة والنسيان.

تفاصيل صغيرة تنبض بالأحاسيس

الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة كان موجودا بقوة في فيلم مريم التوزاني “زنقة مالقة“، من خلال “المهراز” الصغير الذي كانت تهرس فيه ماريا أنخيليس الثوم والكزبر، وكرات البطاطس والبصل والبيض التي كانت تعد بها “الطورتية” الإسبانية الشهيرة، أو “الفونوغراف” القديم الذي كانت تستمع فيه إلى أغانيها المفضلة، والكرسي الهزاز الذي يغادر بها نحو الزمن الجميل الذي تستعيد من خلاله ذكرياتها مع الزوج الراحل، وهي كلها، وغيرها من التفاصيل، عناصر تمنحها حياة تنبض بالأحاسيس، خاصة وهي تمارس طقوسها اليومية في حضور جيرانها و”ولاد الدرب” و”مول الحانوت” وبائع الخضر.

وانتصارا منها للحب، واحتفالا بالجسد، قدمت مريم التوزاني قصة حب جميلة بين المسنة ماريا أنخيليس، وتاجر “الأنتيكا” الذي اشترى أثاث بيتها القديم، والذي لعب دوره المخرج أحمد بولان، تخللتها العديد من المشاهد الحميمية التي منحت الفيلم بعدا فلسفيا وفكريا آخر، يتجلى في الحق في ممارسة الحياة بحذافيرها إلى آخر نفس، بغض النظر عن السياقات والظروف وسنوات العمر، فالإنسان يملك كل الشرعية في أن يكون سعيدا وفي أن يحول لحظات الألم إلى فرح ورغبة.

سيناريو محبوك وحوارات صادقة

ومن قلب الألم والمعاناة التي عاشتها الأم بسبب تنكر الابنة وجحودها، تمكنت مريم التوزاني من استراق لحظات من الضحك، من خلال مقاطع كوميدية مخدومة، انتقلت بالمشاهدين من التراجيديا إلى البسط والطرافة، حتى وماريا أنخيليس تعيش في مسكن للعجزة، بعيدا عن الطاقة الجميلة التي كانت تحيط بها في بيتها الذي عرضته ابنتها للبيع.

سيناريو فيلم “زنقة مالقة” محبوك بشكل جيد. والحوارات بين أبطال وشخصيات العمل منسجمة ومتناسقة وحية وعفوية وصادقة جدا، وقد نجحت المخرجة في منحها حياة جديدة خارج إطار ذكرياتها الخاصة التي عاشتها رفقة جدتها  في طنجة، ذات زمن إسباني مضى، شكل بالنسبة إلى أجيال من المغاربة، جزءا من ذاكرتهم الشخصية والجماعية.