حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

بعد أن تعرض لانتقادات كبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي وتنمر على بطلته منى زكي، استقبل جمهور الدورة 22 من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، أمس (الأربعاء)، العرض العالمي الأول لفيلم “الست” بإعجاب كبير وتصفيقات متواصلة واحتضان جميل لطاقم العمل ككل، الذين قدموا فرجة ممتعة وإبداعا محترما.

الفيلم، الذي يستعرض سينمائيا السيرة الذاتية للفنانة الأسطورة أم كلثوم، بدأ متعثرا رغم براعة المخرج في تصوير مشاهد حفل كوكب الشرق في “أولمبيا” باريس، صورة وصوتا، وكأن المخرج مروان حامد، كان مترددا في البداية في اقتحام الشخصية الرئيسية للعمل، وتقديمها إلى الجمهور، قبل أن ينجح تدريجيا، في تقريبها إلى المشاهد الذي اعتاد عليها واستأنس بها، تدريجيا، إلى أن تبناها تماما وتفاعل مع جزئياتها وتفاصيلها مع تطور الأحداث الدرامية.

فنانة رقيقة لتجسيد “وحش” غناء

وإذا كان فيلم “الست”، قد استعرض جوانب من السيرة الذاتية لكوكب الشرق ومحطات مهمة من مسارها المهني، إلا أن التركيز كان أكثر على الجانب الشخصي والإنساني لهذه الشخصية الأيقونية التي ما زالت حية في قلوب جمهورها من المحيط إلى الخليج.

ولعل الرغبة في “أنسنة” شخصية أم كلثوم، “وحش” الغناء والصوت الجبار والشخصية القوية والفذة التي كانت في عهدها ب”مية راجل”، وتحدت التقاليد والظروف والفقر والاحتقار لتصبح النجمة الأولى التي لا يشق لها غبار في مصر، كانت وراء اختيار المخرج العبقري مروان حامد للفنانة الرقيقة منى زكي لتجسد”سوما”، والتي تمكنت من الغوص في دواخل الشخصية، وإظهار الجانب النفسي الضعيف والمكسور منها، أكثر مما نجحت في أن تقترب من ملامحها وشكلها وتكوينها الجسماني، وهو ما جعل الجمهور في البداية يأخذ مسافة من الشخصية الخيالية، التي لم يكد يصدقها لبعدها التام عن تلك الحقيقية، قبل أن تجره الأحداث الفيلمية بعد ذلك إلى احتضانها والذوبان فيها والانسجام معها.

خلع رداء القدسية عن شخصية أم كلثوم

ومن نقاط القوة في فيلم “الست”، إلى جانب براعة المخرج مروان حامد في تصوير القاهرة القديمة بكل تفاصيلها الدقيقة وقدرته على العودة بالجمهور إلى الزمن الجميل فعلا، أنه خلع رداء القدسية عن شخصية أم كلثوم، التي صورتها أغلب الأعمال السابقة على أنها “كاملة” و”خالية من أي عيب أو خطأ” وملائكية، وهو ما منح فيلمه الكثير من الواقعية. ففي الوقت الذي سلط الضوء على ذكاءها وفطنتها وثقتها في نفسها وإصرارها على تحقيق النجاح وعلى أن تكون المطربة الأولى في العالم العربي، وعلى انتصارها للمرأة في ذلك الوقت، أظهر جوانب خفية من شخصيتها، تتعلق بحرصها على المال، سواء حين دخلت في مفاوضات مع منتجها من أجل زيادة نسبتها في الأرباح من مبيعات أسطواناتها، أو حين طلبت من والدها أن يقتصد في شراء الأراضي، رغم الثروة التي كانت تملكها، ثم حين شككت في الذمة المالية لشقيقها.

المرأة المسيطرة المتحكمة في الرجال

فيلم “الست” صور جوانب أخرى أيضا في شخصية أم كلثوم، تلك المرأة المسيطرة التي تمسك بجميع الخيوط من أجل مصلحتها، وكيف كانت تتحكم في الصحافة وفي العازفين ضمن فرقتها وفي الفنانين من أجل الوصول إلى أهدافها، دون إغفال علاقتها بالذكور التي كانت محط تساؤلات عديدة، إلى درجة الحديث عن الميول الجنسمثلية لكوكب الشرق، والتي مر عليها المخرج مروان حامد، ولو مرور الكرام، من خلال مشهد الملامسة المرتبكة لليد، بين سوما (اسم الدلع لأ كلثوم) وابنة صاحب القصر الذي غنت عنده أثناء وصولها إلى مصر، ومن خلال الأسئلة الملحة للصحافة بخصوص زواجها وتكوينها أسرة وفشل علاقاتها العاطفية، أو من خلال شخصية الولد التي كانت تتقمصها من أجل الغناء في الحفلات والأعراس بقريتها بالسنبلاوين، أو حين بداياتها في مسارح القاهرة وشاليهاتها وقصورها.

ومع أن الفيلم فضل عدم الغوص في التفاصيل المملة لعلاقات “الست” مع جنس الرجال، إلا أنه ألمح إلى علاقة الحب التي كانت تجمعها بالشاعر أحمد رامي، والذي استغلت مشاعره تجاهها ورفضت أن تتزوجه، حتى يظل على نفس الشغف بها ويكتب فيها أشعاره وقصائده الجميلة التي ترجمتها بصوتها إلى أغان خالدة، أو علاقتها بالفنان القصبجي الذي كان عازفا في فرقتها ويعشقها، ثم علاقتها بطبيبها الذي قررت أن تتزوجه بعد مرضها، لأنها رأت فيه الممرض والمعالج لها في سنوات عمرها الأخيرة، بعد أن انفضت عائلتها عنها وظلت وحيدة تعاني العزلة.

فيلم عالمي وعلامة فارقة في تاريخ السينما المصرية

توظيف الأغاني في فيلم “الست” كان رائعا وفي مكانه ولحظته المناسبة، ولم يكن مبالغا فيه، علما أن من صنع أسطورة أم كلثوم هو صوتها وأعمالها الغنائية، خاصة المشهد الأخير الذي اختار له المخرج مقطعا من أغنيتها “ألف ليلة وليلة”، والذي جاء ليطعم مشهد الجنازة الذي كان مؤثرا، وثق من خلاله مروان حامد ذلك اليوم التاريخي الذي خرج فيه الجمهور بالملايين لتوديع أيقونته إلى مثواها الأخير.

سيثير فيلم “الست” بالتأكيد جدلا كبيرا عند عرضه في مصر أو في باقي أنحاء العالم، بين معجب وكاره، ومؤيد ورافض، ومصفق ومتنمر، وفي هذا لا نقاش، لأن الأذواق والآراء تختلف، لكنه بلا شك، سيشكل علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية والعربية عموما، لأن مخرجه الموهوب تمكن من صناعة فيلم عربي بمعايير عالمية، كلف إنتاجه 8 ملايين دولار (ما يقارب 8 مليار سنتيم)، وقدم للمشاهدين تحفة فنية وإبداعا سينمائيا حقيقيا، سواء على مستوى التقنيات البصرية والديكورات الضخمة والإخراج المتقن، أو على مستوى الفكرة والسيناريو وزاوية المعالجة التي قدمت لنا عملا مختلفا تماما عن مسلسل “أم كلثوم” الشهير، الذي لعبت بطولته صابرين، أو فيلم “كوكب الشرق” للكبيرة فردوس عبد الحميد.