في هذا الجزء الثاني من الحوار الطويل الذي أجريناه مع محمد عبد الوهاب رفيقي، والذي نشرنا الجزء الأول منه بمناسبة الاحتفالات باليوم العالمي لحقوق المرأة، يتحدث الباحث الإسلامي في الدراسات الإسلامية وفي قضايا الإصلاح الديني، ل”آش نيوز”، عن مجموعة من القضايا الآنية المثيرة للجدل بين المحافظين والمجددين، وعلى رأسها قضيتا الإرث والإجهاض. في ما يلي تفاصيل الحوار:
المرأة اليوم تعيل أسرتها، والتي من بينها ذكور أيضا، لكنها ما زالت ترث وفق قاعدة “للذكر مثل حظ الأنثيين”، دون الحديث عن التعصيب. أليس في ذلك نوعا من الظلم للمرأة؟ وكيف يمكن تجاوزه علما أن الفقهاء يعتبرون نصوص الإرث قطعية ولا اجتهاد فيها؟
نصوص الإرث مرتبطة بسياقها الاجتماعي والثقافي والتاريخي. وهي، في اعتقادي، ليست قطعية في دلالاتها المرتبطة بالشروط التي نزلت فيها وفي الظروف التاريخية المحيطة بها في ذلك الوقت. واقع المرأة ودورها في ذلك الزمن، والحقوق التي اكتسبتها من خلال هذه النصوص في ذلك الوقت، ليست هي نفسها الشروط ولا الظروف ولا السياقات الموجودة اليوم. ثم ما الذي يجعلنا نتجاوز العديد من النصوص القطعية أيضا، المتعلقة بالحدود وملك اليمين والجهاد والقتال، نظرا لتغير الواقع الذي نزلت فيه، ولا نفعل الشيء نفسه في تعاملنا مع النصوص التي تتعلق بالمرأة. أعتقد بأن المنهجية التي أراها صالحة لنصوص الإرث أو غيرها، هو إعمال مقاصد الشريعة وعدم التوقف عند حرفية النصوص وإعادة قراءتها وفق شروطها وسياقاتها الجديدة، لتحقيق المقصد الأساسي، وهو المساواة والعدل بين الجميع.
بالنسبة إلى إثبات النسب، لماذا يرفض المحافظون الأخذ بالخبرة الطبية وتحليل الحمض النووي ويصرون على أن الولد للفراش؟
هذه من الكوارث المضحكة المبكية. من غير المفهوم أن يتمسك الفقهاء بنص قديم جدا وغير قطعي ومرتبط بسبب نزول معين وبحالة معينة ومرتبط بضعف الإمكانيات العلمية الموجودة في ذلك الوقت، وهو حديث “الولد للفراش وللعاهر الحجر”، ويصرون على رفض الوسائل العلمية الحديثة اليقينية في إثبات النسب فقط لأن الفقه الإسلامي القديم لم يعتمدها. من العيب في 2023، بكل ما بلغه العالم من تقدم وتطور على مستوى التقنية والعلم والمعرفة، أن نهمل ما أنتجه العلم مما هو مفيد وصالح للبشرية وما نستطيع أن نحل به واحدا من الإشكالات المجتمعية الكبيرة ونستطيع أن نقيم به العدل بين طرفي العلاقة الجنسية، بدل أن نجعل كل العبء على طرف ضعيف، وإعفاء الطرف القوي مجتمعيا. حان الوقت في حال وقوع حمل وولادة، أن نحمل الطرفين معا المشاركين في إنتاج الطفل، المسؤولية الكاملة في ما يتعلق بالرعاية والنفقة وغيرها.
كيف تنظرون إلى مسألة تجريم الإجهاض وتقنينه في بعض الحالات، رغم أن الظاهرة موجودة وتؤدي إلى مآس اجتماعية (ظاهرة أطفال الشوارع، الأبناء المتخلى عنهم…) بكل ما تعنيه من تداعيات خطيرة على المجتمع؟
هذه واحدة من القضايا التي يمارس فيها نوع من التضليل المقصود، بحيث أن كثيرا من المحافظين إذا تحدثوا عن الإجهاض، تحدثوا عنه وكأنه قضية قطعية في الدين متفق عليها، وأن في ذلك إزهاق للحياة وقتل للنفس البشرية. والواقع أن هذا نوع من التضليل المقصود، لأنهم يعلمون أن إجهاض الجنين في الأشهر الأولى خصوصا، ذهب إليه جمهور الفقهاء. إذ أن أغلبية فقهاء المذاهب الأربعة ينصون على جواز إسقاط الحمل في الأشهر الأولى، بعضهم قال أربعين يوما وبعضهم قال أربعة أشهر وبعضهم أصر على وجود سبب، بل توسع في ذلك كثيرا وسمح به في حالات كثيرة تتجاوز حتى الحالات الأربعة أو الخمسة التي تم التوافق عليها أخيرا. الأحناف مثلا ذهبوا إلى أنه يمكن للمرأة أن تسقط جنينها في الأشهر الأولى بسبب أو بغير سبب. المذهب المالكي وحده، دون باقي المذاهب، من تشدد في هذه القضية. ونحن نعلم أنه أثناء تشريع عدد من القوانين في المغرب، بما فيها مدونة الأسرة في 2005، تم اللجوء في العديد من القضايا إلى مذاهب أخرى، كما تم اللجوء إلى الاجتهاد. وهذا هو المطلوب في هذا الباب أيضا في ما يخص الإجهاض. علينا أن نخرج الإجهاض من واقعه السري إلى واقع آمن وعلني وعد تضييق الحالات المسموح بها. بل حتى في حالة الزواج ووقوع حمل ورفض الأبوين استمراراه لأسباب مادية أو لعدم قدرة أو رغبة في تحمل المسؤولية، يمكن أن يتم إسقاطه في الأشهر الأولى التي لم تتحقق فيه الحياة، وذلك بشهادة وتحقيق العلم والدين أيضا الذي تحدث في عدد من النصوص عن أن الروح لا تتسلل إلى الجسم إلا بعد مرور أشهر من الحمل.

