يعد احترام توقيت العمل داخل الإدارات العمومية أحد الأعمدة الأساسية لضمان استمرارية المرفق العام وحماية حقوق المواطنين في الولوج إلى الخدمات الإدارية دون تعقيد أو تعطيل. غير أن الواقع اليومي بعدد من الإدارات، خصوصا على مستوى المقاطعات والجماعات الترابية، يكشف عن فجوة واضحة بين ما ينص عليه القانون وما يمارس فعليا، خاصة يوم الجمعة.
نص قانوني واضح لا يحتمل التأويل
وحدد الإطار القانوني المؤطر لتوقيت العمل في الإدارات العمومية بشكل صريح في مرسوم رقم 2-05-916 الصادر بتاريخ 20 يوليوز 2005، الذي ينص على أن أيام ومواقيت العمل تمتد من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة، من الساعة الثامنة والنصف صباحا (8:30) إلى الرابعة والنصف بعد الزوال (16:30)، مع استراحة مدتها ثلاثون دقيقة عند منتصف النهار، تضاف إليها ستون دقيقة مخصصة لأداء صلاة الجمعة.
ولا يترك هذا النص، من حيث الصياغة والمضمون، مجالا للاجتهاد الفردي أو التنظيم المحلي المنفصل عن الإطار العام، بل يحدد بدقة زمن العمل والاستراحة، بما يوازن بين متطلبات العبادة وضمان استمرارية المرفق العمومي.
شكاوى متزايدة من الناظور
وفي هذا السياق، عبر عدد من المواطنين بمدينة الناظور عن تذمرهم من هذه الظاهرة، مؤكدين أن مصالح إدارية أساسية، خصوصا أقسام تصحيح الإمضاء بالمقاطعات، تتوقف عن استقبال المرتفقين منذ منتصف نهار يوم الجمعة، قبل الموعد القانوني، ولا تستأنف عملها إلا بعد الثانية أو الثانية والنصف بعد الزوال.
وأوضح متضررون أن هذا التوقف غير المبرر يحرمهم من إنجاز وثائق استعجالية مرتبطة بالإدارة أو بالقضاء أو بالمعاملات اليومية، ويضطرهم إلى تأجيل مصالحهم إلى أيام لاحقة، ما يكبدهم خسائر زمنية ومهنية. كما تساءل مواطنون عن الجهة التي تسمح بتحويل توقيت صلاة الجمعة إلى “عطلة غير معلنة”، في غياب أي إعلان رسمي أو تنظيم إداري واضح يحدد مواعيد التوقف والاستئناف.
توقف غير مبرر للخدمات يوم الجمعة
رغم وضوح المرسوم، تشهد العديد من المقاطعات والإدارات المحلية، خاصة أقسام تصحيح الإمضاء ومصالح الحالة المدنية، توقفا شبه كلي عن العمل يوم الجمعة ابتداء من الساعة الثانية عشرة زوالا، ليمتد أحيانا إلى الثانية أو حتى الثانية والنصف بعد الزوال. ويتجاوز هذا التوقف بكثير المدة القانونية المخصصة لصلاة الجمعة، ويتحول عمليا إلى “تعطيل إداري” غير معلن.
الأخطر من ذلك أن هذا التوقف لا يكون جزئيا أو منظما بالتناوب، بل يشمل أحيانا جميع الموظفين، ما يؤدي إلى شلل كامل في مصالح حيوية مرتبطة بشكل مباشر بحاجيات المواطنين اليومية.
المواطن.. الحلقة الأضعف
والنتيجة المباشرة لهذه الممارسات يدفع ثمنها المواطن، الذي يفاجأ بإغلاق النوافذ الإدارية، أو بتأجيل خدمات بسيطة لا تتطلب سوى دقائق، مثل تصحيح الإمضاء أو المصادقة على الوثائق. ويضطر مواطنون إلى مغادرة أعمالهم، أو قطع مسافات طويلة، ليصطدموا بعبارة “ارجع بعد صلاة الجمعة”، دون أي سند قانوني يبرر هذا التوقف المطول.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات مشروعة حول مفهوم المرفق العام، الذي يفترض فيه الاستمرارية، وحول مدى احترام الإدارة لالتزاماتها القانونية تجاه المرتفقين.
بين احترام الشعيرة واستغلالها
لا يمكن، بأي حال من الأحوال، الطعن في مشروعية تخصيص وقت لأداء صلاة الجمعة، وهو حق مكفول دستوريا ومجتمعيا. غير أن الإشكال لا يكمن في أداء الشعيرة، بل في توظيفها كمبرر لتوسيع زمن التوقف عن العمل خارج ما حدده القانون، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة غير خاضعة للمراقبة أو المحاسبة.
فالقانون منح ستين دقيقة إضافية، وليس ساعتين أو أكثر، ولم ينص على إفراغ الإدارات من موظفيها دفعة واحدة، أو إغلاق الإدارة بشكل كلي، بل يفترض تنظيم العمل بما يضمن الحد الأدنى من الخدمة.
غياب المراقبة وتآكل هيبة القانون
استمرار هذه الظاهرة يطرح بحدة مسألة ضعف المراقبة الإدارية وغياب تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فحين يصبح توقيت العمل خاضعًا لاجتهادات محلية أو أعراف غير مكتوبة، فإن هيبة القانون تتآكل، وتتراجع ثقة المواطن في الإدارة.
وأمام هذا الوضع، تبرز مسؤولية وزارة الداخلية، باعتبارها الجهة الوصية على الجماعات الترابية، كما تبرز مسؤولية الولاة والعمال المكلفين بالسهر على احترام القوانين وضمان السير العادي للمرافق العمومية. فاستمرار هذه الخروقات يطرح سؤالا مباشرا حول دور المراقبة الإدارية، وحول مدى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن ما يقع في عدد من الإدارات لا يمكن اعتباره مجرد اجتهاد تنظيمي، بل خرقا قانونيا واضحا يستوجب التصحيح والمساءلة. فالقانون وضع ليحترم، لا ليفرغ من محتواه، والمرفق العام وُجد لخدمة المواطن، لا لتعطيل مصالحه تحت مبررات لا سند لها. والتدخل العاجل للسلطات الوصية لم يعد خيارا، بل ضرورة لإعادة الاعتبار لهيبة القانون وثقة المواطن في الإدارة العمومية.


