صدمة كبرى تلك التي انتابت العديد من المتابعين للسياسة في بلادنا. عزيز أخنوش، في وقت لم يكن يتوقع فيه أحد ذلك، يعلن عن عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزبه التجمع الوطني للأحرار، ويرفض تعديل النظام الداخلي من أجل التمديد له، مثلما فعل قبله كثيرون، ضاربين قيم الديمقراطية التي يتشدقون بها في مقتل.
إنه زلزال سياسي بمعنى الكلمة. فالرجل، الذي أبلى البلاء الحسن في تنزيل التوجيهات الملكية، يغادر رئاسة الحزب، ويتخلى عن “حكومة المونديال“، تاركا الباب مواربا أمام التحليلات والقراءات والتكهنات. هل هي تعليمات من “فوق”؟ هل هي مراوغة قبل “الريمونتادا”؟ أم هو فقط امتحان في الديمقراطية الحزبية نجح فيه عزيز أخنوش وقرر الخروج ب”العز والهمة والشان”، تاركا المجال لوجوه جديدة يمكنها أن تتسلم المشعل في حزب عصمان؟
لقد عانى عزيز أخنوش، وحتى قبل أن يفوز في الانتخابات، من حملات السب والتشهير والتخوين التي ارتفعت وتيرتها بشكل مثير بعد أن أصبح رئيسا للحكومة. لكنه ظل صامتا. لا يجيب أحدا، ولا يسمح لمناضلي حزبه بالرد على أحد، مفضلا العمل على الكلام والخطابات. عابوا عليه أنه تقنوقراطي وليس “ّمسيسا”… قالوا عنه إنه لا يتواصل ومتكبر.. اتهموه ب”الشفرة” فقط لأنه صاحب ثروة.. بل حتى صداقته للملك وضعوها أمام الواجهة، فقط ليثيروا عليه القلاقل. كل ذلك، رغم أنهم صوتوا عليه.
طيلة مدة ولايته الحكومية، قام أخنوش بما استطاع. وبذل جهده وأكثر في بلد، فقير ماديا، مواطنوه لا يعجبهم العجب، والفساد فيه مستشر منذ نال استقلاله. ولسوء حظه، تسلم مفاتيح الحكومة تزامنا مع وباء غير معالم العالم بأسره، وحرب روسية أوكرانية، وسنوات عجاف من الجفاف. ورغم ذلك، كانت ولايته إيجابية جدا رغم بعض السلبيات التي لا يمكن إلا أن نجد لها أعذارها، لأن التغيير يأتي على مراحل وليس في أربع أو خمس أو حتى 10 سنوات.
لقد تحمل أخنوش التشهير والسب والقذف في منصات التواصل الاجتماعي، سواء من الذباب الإلكتروني التابع ل”البواجدة”، أو من “القطيع” “اللي تابع جيلالة بالنافخ”. سحلوه وجلدوه في “فيسبوك” حين رأوه يصلي في وضعية جلوس إلى جانب الملك، في الوقت الذي كان يعاني مرضا في الركبة يمنعه من السجود. تمنوا له المرض والموت. وفي احتاجاجات “جيل زد”، هددوه وكانوا سيصلون إلى بيته. لم يفعلوها للعثماني الذي وقع اتفاقية التطبيع مع إسرائيل.
عزيز أخنوش، وحتى لو تم التمديد له على رأس الحزب، أو تمكن من الفوز في الانتخابات المقبلة، لن يظل خالدا في منصبه. كان سيأتي يوم ويغادر. وهو اختار أن يذهب من البوابة الفسيحة وليس من النافذة الضيقة. وربما قد حان الوقت من أجل أن يستريح من كل تلك الحروب ويتخلص من “الستريس” اليومي ويلتفت لصحته وأعماله وعائلته ويستمتع بثروته وبنعم الله عليه.
أما المغرب، فله ملك يحميه ويسوده ويحكمه. وهو باق على عرشه أطال الله في عمره ومتعه بموفور الصحة والعافية، ليبلغ بهذا البلد الجميل بر الأمان، بفضل السياسة الملكية الحكيمة والإسهام القوي لرجالاته، وأكيد أخنوش واحد منهم.

