أثار بيان حزب العدالة والتنمية، الذي ندد فيه بما سماه “اختطاف” رئيس جمهورية فنزويلا وزوجته، موجة تساؤلات سياسية حادة حول منسوب الانسجام بين الخطاب المبدئي المعلن للحزب ومواقفه الفعلية من القضايا الحيوية للمغرب، وعلى رأسها قضية وحدته الترابية.
وقدم الحزب موقفه على أنه دفاع عن سيادة الدول واحترام ميثاق الأمم المتحدة، مستنكرا ما وصفه بانتهاكات جسيمة للنظام الدولي. غير أن هذا الخطاب، في نظر متابعين، بدا انتقائيا، إذ تغاضى عن حقيقة أن فنزويلا تعد من أكثر الدول عداء للوحدة الترابية للمملكة، وقد استقبلت رسميا زعيم جبهة البوليساريو ووفرت له غطاء سياسيا ودبلوماسيا في محافل دولية.
تبرير مبدئي أم تبييض سياسي؟
ورغم إقرار الحزب بـ”الموقف الخاطئ والمعادي” لفنزويلا من قضية الصحراء، اختار أن يفصل بين الموقف المبدئي من السيادة وبين المصالح الاستراتيجية للمغرب، في تبرير اعتبره خصومه “قفزا سياسيا” يفرغ الخطاب الوطني من مضمونه. فالدفاع عن سيادة دولة تناصب المغرب العداء لا يقرأ، سياسيا، كحياد أخلاقي بقدر ما يفهم كتماهٍ مع محاور خارجية على حساب الأولويات الوطنية.
وذهب البيان إلى إدانة ما اعتبره منطق القوة واستحضار نماذج أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا، لكن دون تسمية واضحة للمسؤوليات أو مساءلة حلفاء الحزب الإيديولوجيين في المنطقة. هذا الانتقاء في الإدانة أعاد إلى الواجهة سؤال الاتساق، لماذا ترفع راية القانون الدولي حين يتعلق الأمر بدول بعيدة، بينما يلتزم الصمت أو التبرير حين تمس المواقف مصالح المغرب المباشرة؟
خطاب الصراعات.. وتصدير الشعارات
ووسع الحزب بيانه بالحديث عن “مخططات استعمارية” و”أجندات صهيونية” لتفسير أزمات عربية معقدة، في قراءة اعتبرها محللون تبسيطية تحمل الخارج كامل المسؤولية، وتعفي الفاعلين المحليين من المحاسبة. كما أن التنويه بـ”جهود الدولة السورية الناشئة” جاء دون مقاربة نقدية للسياق، ما عزز الانطباع بأن البيان أقرب إلى اصطفاف إيديولوجي منه إلى تحليل سياسي رصين.
ويكشف موقف العدالة والتنمية من فنزويلا مفارقة سياسية لافتة، خطاب صاخب عن السيادة والقانون الدولي، يقابله تساهل واضح مع دولة تعادي صراحة الوحدة الترابية للمغرب وتدعم خصومه. وفي زمن تتطلب فيه القضايا الوطنية وضوحا وحزما، تبدو هذه الازدواجية عبئا سياسيا يضعف مصداقية الخطاب، ويطرح سؤالا جوهريا حول ما إذا كان الحزب يقدم المبادئ كما يراها، أم الشعارات كما تخدم تموقعه الإيديولوجي.


