حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لم يتوقف الجدل الذي أعقب نهائي كأس إفريقيا للأمم عند حدود التنافس الكروي، بل تجاوز ذلك إلى نقاش مجتمعي وسياسي مقلق، بعدما أفرزت بعض التفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات مشحونة بالكراهية والعنصرية، استهدفت الأفارقة، خصوصا القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، على خلفية فوز المنتخب السنغالي باللقب.

من خيبة رياضية إلى تحريض إقصائي

وما سجل عقب المباراة كشف عن تحول خطير في خطاب بعض الصفحات والحسابات، التي انتقلت من التعبير عن خيبة أمل جماهيرية إلى ترويج دعوات صريحة لإقصاء الآخر، بل وذهب بعضها إلى حد المطالبة بطرد الأفارقة من المغرب أو تعميم خطاب عدائي يحمل فئة بأكملها مسؤولية أحداث معزولة. هذا المسار لا يمكن اعتباره رد فعل عاطفيا عابرا، بل انزلاقا نحو خطاب يمس القيم الإنسانية التي طالما ميزت المجتمع المغربي.

تحذيرات حقوقية من توظيف خطير

وأمام اتساع رقعة هذا الخطاب، تدخل معلقون وفاعلون حقوقيون للتنبيه إلى خطورة السقوط في ترويج أطروحات تتقاطع مع خطاب اليمين المتطرف في بعض الدول الأوروبية، حيث تستعمل قضايا الهجرة والاختلاف الثقافي كأدوات للتحريض والكراهية. وأكد هؤلاء أن تقييم السياسات العمومية المرتبطة بالهجرة واللجوء يجب أن يتم بهدوء وعقلانية، بعيدا عن ردود الفعل الظرفية أو الانفعالات المرتبطة بحدث رياضي.

المغرب وإفريقيا.. علاقة أعمق من مباراة

في المقابل، شددت العديد من الآراء على أن ما قدمه المغرب لإفريقيا خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الإنساني أو السياسي أو الرياضي، يشكل رصيدًا لا يمكن القفز عليه. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال تنظيم منافسات الكان، حيث ظهر المغرب في صورة بلد منفتح، منظم، وقادر على احتضان القارة الإفريقية في أفضل الظروف، بما عزز مكانته الإقليمية والدولية.

التحريض على الكراهية والعنصرية لا يسيء فقط إلى صورة المغرب، بل يخدم، بشكل مباشر أو غير مباشر، أجندات معادية تسعى إلى التشويش على المسار الذي اختارته المملكة في علاقتها مع عمقها الإفريقي. فمثل هذه الخطابات توفر مادة دسمة لخصوم سياسيين يتربصون بأي زلة لتقويض الجهود الدبلوماسية والإنسانية التي راكمها المغرب.

مسؤولية جماعية في مواجهة الانزلاق

وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى يقظة جماعية، خاصة داخل الفضاء الرقمي، لعدم الانسياق وراء خطاب انفعالي يخلط بين المنافسة الرياضية والصراع الهوياتي. فالهزيمة أو الخسارة في مباراة، مهما كانت قاسية، لا يمكن أن تكون مبررا لتبني خطاب إقصائي يضرب قيم التعايش والانفتاح.

وفي النهاية، يظل التحدي الحقيقي لما بعد نهائي الكان هو حماية الصورة التي راكمها المغرب خلال هذه التظاهرة القارية، وصون تماسكه المجتمعي، والتأكيد أن الرياضة يجب أن تبقى مجالا للتنافس الشريف والتقارب بين الشعوب، لا منصة لتغذية الكراهية أو تصفية الحسابات السياسية.