في كل مرة نخسر فيها مباراة حاسمة، يتكرر المشهد نفسه بلا أي تغيير: غضب جماهيري، عناوين ملتهبة، واستنفار إعلامي يبحث عن الفاعل الحقيقي خلف الهزيمة. لا نبدأ بالسؤال عن سوء التمركز، ولا عن اللياقة البدنية، ولا عن اختيارات المدرب، ولا عن جودة التحضير، إننا نقفز مباشرة إلى التفسير الأسهل والأكثر إراحة للأعصاب إنها نظرية المؤامرة.
كما لو أن العالم يجتمع سرا ليمنعنا من الفوز، وكأن المشكلة ليست في أخطائنا داخل الملعب، بل في أيد خفية خارجيه والنتيجة أن الهزيمة أو الفشل يتحول من فرصة للتعلم وأخد العبر إلى مادة للاتهام، ومن لحظة مراجعة إلى مسرحية غضب نعرف نهايتها مسبقا. نحن لا نخسر لأننا لم نكن الأفضل بل لأننا نرفض الاعتراف بذلك.
من المفارقات العجيبة أن نظرية المؤامرة لا تظهر عند الفوز، ولا تستدعى عندما نقدم أداء مقنعا. إنها تختفي فجأة، وتصبح كرة القدم عادلة والحظ معنا والتحكيم طبيعي وفي المستوى لكنها تعود مباشرة عند أول تعثر، وكأنها زر جاهز داخل العقل الجمعي تضغطه فتغلق النقاش وتطفئ الأسئلة الصعبة.
الهزيمة ليست مؤامرة، بل هي نتيجة
الرياضة في جوهرها بسيطة، فمن يستعد أفضل وينظم نفسه أكثر ويقرأ المباراة بذكاء، غالبا ما يفوز وينتصر. صحيح أن هناك تفاصيل قد تقلب النتائج كقرار تحكيمي أو لحظة شرود أو تسلل أو كرة ثابتة أو سوء حظ. لكن تحويل كل خسارة إلى مؤامرة يعني أننا نرفض القاعدة الأساسية للرياضة: أن التفوق يصنع ولا يمنح.
عندما نخسر لأننا لم نضغط جيدا وارتكبنا أخطاء دفاعية بدائية ولم نصنع فرصا كافية أو لأننا دخلنا المباراة بلا شخصية فهذه ليست مؤامرة هذا اسمه ضعف في الإعداد أو خلل في المنظومة أو محدودية في الأداء. ولكن الاعتراف بذلك مؤلم، ولذلك نختار الطريق الأقصر والذي هو اتهام الاخر بل اتهام كل العالم.
لماذا نحب نظرية المؤامرة؟ ‘
إننا نحب نظرية المؤامرة لأنها تمنحنا ثلاث مكاسب فورية دون أن ندفع ثمنا حقيقيا:
أولا: تمنحنا شعورا زائفا بالتفوق. فحين نقول “هزمونا لأنهم تآمروا علينا”، فنحن ضمنيا نقول نحن أقوى منهم. نحافظ على صورة مثالية عن أنفسنا حتى ونحن نخسر.
ثانيا: تعفينا من المسؤولية. فبدل أن نسأل عن التخطيط والاختيارات والتكوين والانضباط، يصبح كل شيء خارج سيطرتنا. وبذلك لا أحد يحاسب ولا أحد يراجع ولا أحد يعترف بأنه أخطأ.
ثالثا: تشبع حاجتنا للغضب فالمؤامرة تصنع عدوا واضحا وسهلا: دولة أو حكم أو اتحاد أو إعلام أو خصم أو جهة غامضة لا اسم لها. فمع وجود عدو، يصبح الغضب مبررا وتصبح الصراخات بطولة ويصبح الانفعال تعويضا عن العجز.
الإعلام… عندما يتحول التحليل إلى تعبئة
لا يتعامل بعض الإعلام الرياضي مع الهزيمة كحدث يستدعي الفهم، بل كفرصة للتعبئة والشحن والاستقطاب، فيتحول النقاش من قراءة المباراة إلى تسويق الاتهام ومن تقييم الأداء إلى صناعة العدو.
وهنا يصبح المشاهد أسيرا لخطاب لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن الإثارة. فالعناوين تكتب لتستفز والتصريحات تقص لتشعل، والمقاطع تعاد لتؤكد رواية جاهزة: “لقد سُرقنا”.
إن هذا النوع من الخطاب قد يرفع نسبة المشاهدة، لكنه يخفض مستوى الوعي. والأسوأ أنه يعمق ثقافة الهروب من المسؤولية، ويجعل النقد ترفا لا مكان له وسط الضجيج.
نظرية المؤامرة تفسد اللاعب قبل الجمهور
حين تتغلغل هذه الذهنية، لا تتوقف عند الجمهور. اللاعب نفسه يبدأ في تبنيها، فيفقد التركيز، ويبحث عن مبررات خارجية بدل تطوير أدواته. والمدرب قد يتحول إلى خطيب يشتكي بدل أن يكون قائدا يصحح ويواجه. والإدارة قد تختبئ خلف العذر بدل أن تبني مشروعا طويل المدى.
وهكذا، بدل أن تكون الهزيمة خطوة في طريق التطور، تصبح محطة لإعادة إنتاج الفشل. نخسر اليوم، ونبرر، ثم نكرر الأخطاء نفسها غدا ونستغرب لماذا لا نتقدم.
لا أحد يتآمر على من لا يعمل
إن الحقيقة التي لا نحب سماعها هي أن كرة القدم لا تعترف بالنوايا ولا تكافئ الأمنيات ولا تحترم الضجيج؛ إنها لعبة تكافئ من يعمل أكثر ويخطط أفضل ويملك مشروعا واضحا ويراكم الخبرة بهدوء. أما من يكتفي بالصراخ عند الهزيمة والاحتفال المبالغ فيه عند الفوز، فهو لا يبني فريق بل يبني وهما. والوهم لا يصمد طويلا أمام الواقع.
الخلاصة: أكبر مؤامرة هي أن نخدع أنفسنا
من المؤكد أنه قد يحدث ظلم تحكيمي وقد تقع أخطاء وقد ترتكب قرارات مثيرة للجدل. فهذا وارد في كل ملاعب العالم. لكن تحويل ذلك إلى نظرية شاملة تفسر كل هزيمة هو في حد ذاته هزيمة أكبر؛ هزيمة فكرية وثقافية قبل أن تكون رياضية.
فنحن لا نحتاج إلى المزيد من الأعذار بل نحتاج إلى شجاعة الاعتراف وإلى نقد ذاتي حقيقي وإلى خطاب يضع الإصبع على الخلل بدل أن يرفع الصوت على خصم متخيل. لأن الحقيقة مهما كانت قاسية، تبقى الطريق الوحيد نحو الانتصار.
“ننهزم أحيانا لأننا لم نكن جيدين بما يكفي وليس لأن العالم كله قرر أن يحاربنا”
هشام بنوشن: باحث في العلوم السياسية

