Site icon H-NEWS آش نيوز

هدم مخيم طماريس بين واقع العشوائية وسلطة القانون ورهان الاستثمار

هدم طماريس

أثار قرار هدم مخيم طماريس بدار بوعزة نقاشا واسعا بين من حاول تقديمه كـ”مساس بحقوق مكتسبة”، ومن اعتبره خطوة ضرورية لاستعادة النظام العام وهيبة القانون. غير أن قراءة هادئة، تستند إلى الوقائع الثابتة والقانون الجاري به العمل، تكشف أن ما جرى ليس سوى تصحيح لوضعية غير قانونية عمرت طويلا، وتأهيلا ضروريا لمجال ساحلي استراتيجي.

واقع ميداني لا يقبل التجميل

وعلى مدى سنوات، تحول مخيم الحجرة الكحلة من فضاء موسمي للقوافل المجرورة إلى تجمع عشوائي لبنايات إسمنتية أقيمت فوق ملك الدولة الغابوي والملك العام البحري، في خرق واضح للقوانين المؤطرة للتعمير واستغلال الملك العمومي.

ولم يقتصر الأمر على المخالفات العمرانية، بل أضحى الموقع، وفق معطيات رسمية، نقطة سوداء أمنيا، استغلت في أنشطة غير مشروعة، من بينها التهريب والهجرة غير النظامية، وهو ما تؤكده عمليات حجز مخدرات موثقة قامت بها مصالح الدرك الملكي.

كما تفند المعطيات الميدانية الادعاء بوجود “ساكنة مستقرة”، إذ لا تتجاوز نسبة القاطنين الدائمين 30 في المائة، بينما استعملت أغلب الكابونهات في الكراء غير القانوني أو ظلت مغلقة في انتظار المضاربة.

الوقائع القانونية: لا حق مكتسب خارج القانون

ومن الناحية القانونية، يعود أصل الاستغلال إلى ترخيص بالاحتلال المؤقت منح في ثمانينيات القرن الماضي، انتهت صلاحيته سنة 1988 دون تجديد. ورغم ذلك، استمر الاستغلال وتوسع، بل تحول إلى بنايات قارة دون أي سند قانوني.

وتؤكد الأحكام القضائية النهائية الصادرة سنتي 2012 و2013، ثم مطلع 2024، عدم قانونية هذا الاستغلال، وهو ما يضفي على تدخل السلطات طابعاً مشروعاً، باعتباره تنفيذاً للقانون ولأحكام قضائية حائزة لقوة الشيء المقضي به.

وبالتالي، فإن دعاوى “التعويض” تصطدم بقاعدة قانونية مستقرة: الاحتلال غير المشروع للملك العام لا ينشئ حقا، ولا يولد تعويضا.

فالهدم في هذه الحالة ليس نزع ملكية، بل إزالة تعد واسترجاع للملك العام، وهو إجراء يدخل ضمن صلاحيات الإدارة لحماية النظام العام والسلامة، خاصة في منطقة ساحلية مهددة بالانجراف وعلو مستوى البحر.

بين القانون والاستثمار: منطق الدولة لا منطق الريع

وبعيدا عن الخطاب العاطفي، يندرج هذا القرار ضمن رؤية أوسع تهدف إلى إعادة تأهيل الساحل وتحويله من فضاء للفوضى والعشوائية إلى مجال منظم وجاذب للاستثمار.

فالمشاريع المرتقبة، وعلى رأسها إنجاز كورنيش بمعايير دولية، لا تستهدف الإقصاء، بل تسعى إلى:

ولا يمكن لأي استثمار جاد أن يقوم فوق وضعيات ملتبسة أو استغلال غير مشروع. فـالاستثمار يحتاج إلى وضوح قانوني، واستقرار عقاري، وهيبة للقانون، لا إلى شرعنة الأمر الواقع.

تصحيح الماضي لبناء المستقبل

إن هدم مخيم الحجرة الكحلة ليس استهدافا لأشخاص، بل تصحيح لمسار عمراني وقانوني منحرف. وهو رسالة واضحة مفادها أن زمن التغاضي عن العشوائية قد انتهى، وأن الدولة، حين تتحرك، تفعل ذلك باسم القانون والمصلحة العامة، لا بمنطق الانتقام أو الإقصاء.

وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل هذا الوعاء الساحلي إلى قيمة مضافة تخدم الساكنة، وتعزز الاستثمار، وتعيد الاعتبار لساحل طالته الفوضى.. وهي معركة لا تربح إلا بسيادة القانون

Exit mobile version