حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

تظهر التطورات المتسارعة في المنطقة المغاربية أن التدخل الجزائري في شؤون دول الجوار لم يعد مجرد مواقف ظرفية، بل تحول إلى عامل هيكلي ساهم بشكل مباشر في إفراغ مشروع اتحاد المغرب العربي من مضمونه، وتحويله من حلم تكاملي إلى كيان مشلول منذ عقود.

التحفظ الذي أبدته حكومة الوحدة الوطنية الليبية على الاجتماع الثلاثي بتونس، بمشاركة الجزائر ومصر وتونس، شكل مؤشرا واضحا على رفض طرابلس أي مقاربة تتجاوز مؤسساتها الشرعية في معالجة الملف الليبي، مهما كانت الذرائع الدبلوماسية المصاحبة.

إشكالية الوساطة وغياب الثقة

ورغم تقديم الاجتماع كآلية لدعم الحوار الداخلي، إلا أنه أعاد طرح سؤال الثقة في نوايا الجزائر، خاصة في ظل التناقض بين خطاب عدم التدخل الذي يرفعه رئيسها، والممارسات السياسية التي توحي بعكس ذلك.

الموقف الليبي يعكس قناعة راسخة بأن أي تصور لمستقبل البلاد يجب أن يكون نابعا من الداخل، لا نتيجة ترتيبات إقليمية تدار خارج حدودها، خصوصًا في سياق لا تزال فيه البلاد تعاني من تداعيات الانقسام والصراع منذ 2011.

من البوليساريو إلى ليبيا

وهذا السلوك يعيد إلى الواجهة نمطا ثابتا في السياسة الجزائرية تجاه محيطها المغاربي، قوامه توظيف ملفات حساسة، وعلى رأسها دعم جبهة البوليساريو، لإعادة رسم موازين النفوذ داخل الفضاء المغاربي، بما يكرس الانقسام ويقوض فرص التوافق.

محاولات إقحام زعيم البوليساريو في لقاءات مغاربية رسمية، خاصة بالجزائر، لم تكن مجرد بروتوكول، بل رسائل سياسية تهدف إلى فرض واقع تمثيلي جديد داخل فضاء يفترض أن تحكمه سيادة الدول الأعضاء فقط.

غياب القمم المغاربية منذ 1994 يعكس عمق الأزمة التي يعيشها اتحاد المغرب العربي، في وقت كانت فيه تكتلات إقليمية أخرى تراكم المكاسب وتعزز نفوذها الاقتصادي والسياسي.

المغرب ومسار الوساطة المتوازنة

وفي هذا السياق، يبرز الدور المغربي كاستثناء إقليمي، من خلال احتضان مسار الحوار الليبي–الليبي، مع الالتزام العلني بالحياد الإيجابي والتعامل المتوازن مع مختلف الأطراف، وهو ما أكسب الرباط ثقة الفرقاء الليبيين والمجتمع الدولي.

غير أن هذا الدور لم يخل من تداعيات إقليمية، إذ تشير قراءات متعددة إلى أن الجزائر سعت، عبر تكتلات مصغرة، إلى تحجيم الدور المغربي ومحاولة فرض نفسها كفاعل مركزي في الملف الليبي، خارج منطق الإجماع المغاربي.