لم يكد الغبار ينقشع عن فضيحة السيارات الكهربائية الصينية، التي ابتلعت نحو خمسين مليار سنتيم من المال العمومي دون أن يرى المغاربة مصنعا حقيقيا ولا صناعة وطنية واعدة، حتى وجد الرأي العام نفسه أمام صفقة جديدة في نفس الوزارة، وبنفس المنطق تقريبا، صرف الملايير على مشروع استعراضي مؤقت هذه المرة تحت عنوان “معرض الألعاب الإلكترونية“.
وتبدو المعادلة واضحة، أموال ضخمة تضخ، عناوين براقة تسوق، وصور ترويجية تنشر، لكن عند البحث عن الأثر الاقتصادي الحقيقي، لا يجد المواطن سوى فراغ سياسي وتدبيري.
من “مصنع وطني” إلى “دروبشيبينغ” مقنع
ولم تكن قصة السيارات الكهربائية مجرد مشروع اقتصادي عادي، بل تحولت إلى نموذج صارخ لسوء تدبير المال العام. وقدم المشروع للمغاربة باعتباره خطوة نحو التصنيع المحلي، ورافعة لخلق مناصب الشغل، وبداية لصناعة سيارات كهربائية تحمل علامة “صنع في المغرب”.
لكن الوقائع التي تسربت لاحقا أظهرت أن المشروع لم يكن مصنعا بالمعنى الصناعي، بل مجرد استيراد سيارات جاهزة من الصين وإعادة تسويقها، في ما يشبه نموذج “الدروبشيبينغ”، لا أكثر ولا أقل.
وتبخرت خمسون مليار سنتيم من الدعم العمومي في مشروع بلا خطوط إنتاج حقيقية، ولا قيمة مضافة وطنية، ولا مناصب شغل توازي حجم الدعم. والأسوأ من ذلك، أن أي تقييم سياسي جدي أو محاسبة شفافة لم يخرج إلى العلن، وكأن الأمر مجرد خطأ بسيط لا يستحق الوقوف عنده.
خمسة مليارات جديدة.. لمعرض ينتهي بانتهاء الخيام
واليوم، تعود وزارة بنسعيد لتعلن عن طلب عروض دولي لتنظيم النسخة الثالثة من معرض Morocco Gaming Expo بكلفة تقارب 49.8 مليون درهم، أي نحو خمسة مليارات سنتيم.
وتكشف الوثائق الرسمية أن الأمر لا يتعلق بمعرض بسيط، بل بمشروع استعراضي ضخم، خيام وهياكل عملاقة، منصات عرض، شاشات LED، استوديوهات بث، تجهيزات كهربائية ضخمة، فضاءات VIP، حفل افتتاح فاخر لـ500 مدعو، إقامة في فنادق خمس نجوم، ونقل بسيارات فاخرة.
كل هذا من أجل تظاهرة تمتد أياما معدودة، تنتهي بعدها الخيام، وتطفأ الشاشات، وتسحب المنصات، ويعود كل شيء إلى الصفر، إلا فاتورة الخمسة مليارات التي تبقى عالقة في ذمة المال العام.
نفس السيناريو.. صرف سريع وأثر غائب
واللافت أن الصفقة الجديدة تحمل نفس روح المشروع السابق، ضخ أموال طائلة في مبادرات ذات طابع استعراضي، دون رؤية صناعية أو اقتصادية طويلة المدى.
فإذا كانت الألعاب الإلكترونية قطاعا واعدا، فأين هي الاستثمارات في الاستوديوهات المغربية؟ وأين برامج تكوين المطورين؟ وأين صناديق دعم الشركات الناشئة في هذا المجال؟ وأين المشاريع التي تخلق قيمة مضافة حقيقية بدل منصات مؤقتة وكاميرات وشاشات عملاقة؟
ما يظهر اليوم هو سياسة قائمة على “التظاهرات المكلفة” بدل “الاستثمارات المنتجة”، وكأن دور الوزارة تحول من بناء منظومات اقتصادية وثقافية حقيقية، إلى تنظيم عروض ضخمة تستهلك الملايير وتختفي آثارها فور انتهاء الحدث.
وزارة المشاريع المؤقتة
وحين تجمع معطيات مشروع السيارات الكهربائية وصفقة معرض الألعاب، يتشكل نمط تدبيري واضح، ملايير تصرف بسرعة، ووعود تطلق بكثافة، ونتائج غامضة أو ضعيفة في النهاية.
خمسون مليار سنتيم في مشروع سيارات بلا مصنع حقيقي، خمسة مليارات سنتيم في معرض سينتهي خلال أيام. وغدا ربما مشروع جديد بشعار جذاب وكلفة أكبر، دون محاسبة على ما سبقه.
أين المسؤولية السياسية؟
ولم تعد القضية تقنية أو مالية فقط، بل أصبحت سياسية بامتياز. فحين تصرف عشرات الملايير من المال العام دون أثر ملموس، يصبح السؤال عن المسؤولية السياسية أمرا بديهيا، لا ترفا إعلاميا.
فكيف تبرر هذه النفقات في سياق اجتماعي واقتصادي صعب؟ ولماذا لا يفتح نقاش عمومي حول جدوى هذه المشاريع؟ وأين تقارير التقييم والمحاسبة؟
وفي النهاية، ما يجري داخل هذه الوزارة يوحي بأن المال العام أصبح أقرب إلى ميزانية تظاهرات استعراضية، منه إلى رافعة تنموية حقيقية. وبين خمسين مليارا تبخرت في مشروع سيارات، وخمسة مليارات تصرف على معرض مؤقت، يبقى السؤال الأكبر، كم مليارا آخر يجب أن تنفق قبل أن تبدأ المحاسبة؟
