في خطوة تحمل أبعادا سياسية تتجاوز ظاهرها التقني، باشرت السلطات الجزائرية إجراءات إلغاء اتفاق الخدمات الجوية المبرم مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو الاتفاق الذي وقع في أبوظبي في 13 ماي 2013، قبل أن تصادق عليه الجزائر بمرسوم رئاسي أواخر دجنبر 2014. القرار، الذي أعلن عنه عبر وكالة الأنباء الجزائرية، يأتي في سياق إقليمي متوتر وتحولات في طبيعة العلاقات الجزائرية مع عدد من العواصم الخليجية.
إلغاء تقني.. بأبعاد سياسية
ومن الناحية الشكلية، يستند القرار الجزائري إلى المادة 22 من الاتفاق، التي تتيح لأي طرف إنهاء العمل به بعد إشعار رسمي عبر القنوات الدبلوماسية، مع إخطار الأمين العام لمنظمة الطيران المدني الدولي. وقد شددت الجزائر على أن هذه الخطوة تتم وفق القواعد المعتمدة دوليا، بما يسمح لمنظمة “إيكاو” باستكمال المساطر التنظيمية اللازمة.
غير أن القراءة السياسية للقرار تطرح تساؤلات أعمق، خصوصا أن اتفاقيات النقل الجوي لا تلغى عادة إلا في حالات استثنائية، مثل انهيار العلاقات الدبلوماسية أو وقوع أزمات سياسية حادة بين الدول المعنية. وهو ما يجعل هذا القرار أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى مجرد إجراء إداري مرتبط بتنظيم المجال الجوي.
توتر صامت بين الجزائر وأبوظبي
العلاقات الجزائرية-الإماراتية شهدت خلال السنوات الأخيرة مؤشرات فتور واضحة، رغم غياب التصريحات الرسمية الحادة. ويعزو مراقبون هذا التباعد إلى اختلاف في المقاربات السياسية تجاه عدد من الملفات الإقليمية، سواء في شمال إفريقيا أو في منطقة الساحل.
كما أن الإمارات، التي عززت حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في المغرب وفي عدد من الدول الإفريقية، باتت تنظر إليها داخل بعض دوائر القرار الجزائري كفاعل إقليمي يتحرك خارج الرؤية التقليدية التي ترغب الجزائر في تكريسها داخل فضائها الجيوسياسي.
وفي ظل هذا السياق، يبدو أن قرار إلغاء اتفاق الطيران يندرج ضمن سياسة أوسع تقوم على إعادة رسم خارطة الشراكات الخارجية للجزائر، خصوصًا بعد سلسلة توترات مع دول عربية وغربية خلال السنوات الأخيرة.
رسالة موجهة إلى الداخل والخارج
القرار يحمل كذلك أبعادا داخلية، إذ تسعى السلطات الجزائرية إلى تقديم نفسها كطرف “سيادي” يراجع اتفاقياته الدولية وفق حساباته الخاصة، في سياق سياسي داخلي حساس يتسم بتحديات اقتصادية وضغوط اجتماعية.
أما خارجيا، فإن الخطوة قد تفهم كإشارة إلى أن الجزائر مستعدة لاتخاذ إجراءات أحادية في علاقاتها الدولية، حتى مع شركاء اقتصاديين مهمين، إذا رأت أن مصالحها السياسية أو الاستراتيجية تقتضي ذلك.
تداعيات اقتصادية ودبلوماسية محتملة
وقد ينعكس إلغاء اتفاق الخدمات الجوية على حركة النقل بين البلدين، وعلى العلاقات التجارية والسياحية، خصوصا أن شركات الطيران تمثل في كثير من الأحيان أحد أهم جسور التواصل الاقتصادي والاستثماري بين الدول.
كما أن هذه الخطوة قد تعمق الفجوة الدبلوماسية بين الجزائر وبعض العواصم الخليجية، في وقت تعرف فيه المنطقة تحولات كبيرة في التحالفات، وتزايدا في المبادرات الاقتصادية العابرة للحدود.
انعكاس لمسار عزلة متصاعدة
قرار إلغاء الاتفاق مع الإمارات لا يمكن فصله عن سلسلة توترات شهدتها الدبلوماسية الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، سواء مع فرنسا أو إسبانيا أو عدد من الدول الإفريقية والعربية. وهو ما يعزز الانطباع بأن السياسة الخارجية الجزائرية تسير في اتجاه أكثر انغلاقًا، قائمًا على ردود الفعل بدل المبادرات الاستراتيجية طويلة المدى.
في المحصلة، يبدو أن إلغاء اتفاق الطيران مع الإمارات ليس مجرد خطوة تقنية لتنظيم المجال الجوي، بل حلقة جديدة في مسار إعادة تموضع سياسي ودبلوماسي تعيشه الجزائر، في سياق إقليمي ودولي شديد التقلب. وهو مسار قد تكون له كلفة اقتصادية ودبلوماسية، إذا استمر بمنطق القرارات الأحادية بدل منطق التوازنات والشراكات.

