يستعد وزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، لإخراج مشروع قانون جديد يهم تنظيم الفضاء الرقمي، مع تركيز خاص على حماية القاصرين من مخاطر منصات التواصل الاجتماعي. خطوة تبدو في ظاهرها إيجابية، وتنسجم مع النقاش الدولي المتصاعد حول تأثير “تيك توك” ومنصات التواصل على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين.
غير أن هذا التوجه التشريعي يثير، في المقابل، سؤالا جوهريا، لماذا يركز المشروع على منصات التواصل، بينما يظل ملف الألعاب الإلكترونية العنيفة، التي تغزو هواتف الأطفال يوميا، خارج دائرة الأولويات التشريعية؟
خطر الألعاب.. الغائب الأكبر في النقاش الرسمي
وفي الوقت الذي يتحدث فيه الوزير عن مخاطر المحتوى الرقمي على القاصرين، تنتشر بين الأطفال والمراهقين ألعاب إلكترونية عنيفة مثل “فري فاير” وغيرها، تقوم في جوهرها على القتل الافتراضي، والأسلحة، وثقافة الصراع، وتغذية النزعة العدوانية.
ولا تقتصر هذه الألعاب آثارها على الترفيه البريء، بل تحولت لدى كثير من الأطفال إلى نمط حياة يومي، يقضي فيه القاصر ساعات طويلة أمام الشاشة، في عوالم افتراضية يغيب عنها أي بعد تربوي أو ثقافي. وتشير تقارير تربوية ونفسية إلى أن هذا النوع من الألعاب قد يساهم في اضطرابات النوم، وتراجع التحصيل الدراسي، وزيادة التوتر والسلوك العدواني لدى الفئات الهشة.
ومع ذلك، لا يظهر في مشروع القانون أي نقاش جدي حول تقنين هذه الألعاب، أو فرض تصنيفات عمرية صارمة، أو مراقبة محتواها، أو حتى إطلاق حملات تحسيسية وطنية حول أخطارها.
حماية القاصرين.. انتقائية في الأولويات؟
واللافت أن مشروع القانون، كما عرضه الوزير، يركز على تحميل منصات التواصل مسؤولية المحتوى، ومواجهة خطاب الكراهية والأخبار الزائفة، وهي أهداف لا خلاف حول أهميتها.
لكن حين يتعلق الأمر بالألعاب الإلكترونية، التي تشكل جزءا أساسيا من الحياة اليومية للأطفال، يبدو أن الوزارة تتعامل مع الملف بمنطق مختلف، أو ربما تتجنبه تماما، رغم أن تأثير هذه الألعاب قد يكون أعمق وأخطر من فيديو عابر على منصة اجتماعية.
فالأطفال لا يقضون ساعات طويلة في مشاهدة الأخبار السياسية أو النقاشات العامة، بقدر ما يقضونها في ألعاب القتال الافتراضي، حيث يصبح السلاح والقتل عناصر ترفيهية يومية.
من حماية الأطفال إلى تنظيم معارض الألعاب
والمفارقة أن هذا الصمت التشريعي تجاه الألعاب العنيفة يأتي في وقت تستعد فيه الوزارة نفسها لصرف نحو خمسة مليارات سنتيم لتنظيم معرض ضخم للألعاب الإلكترونية، في إطار “Morocco Gaming Expo”.
الوثائق الرسمية للصفقة تتحدث عن خيام عملاقة، ومنصات عرض، وشاشات ضخمة، واستوديوهات بث، وفضاءات كبار الشخصيات، وحفل افتتاح فاخر، وإقامة في فنادق خمس نجوم، ونقل بسيارات فاخرة، وكل ذلك من أجل تظاهرة لا تتجاوز بضعة أيام.
هنا يطرح السؤال نفسه بقوة، كيف يمكن لوزارة تعلن عن قانون لحماية القاصرين من مخاطر الفضاء الرقمي، أن تصرف الملايير في تظاهرة تروج لقطاع الألعاب الإلكترونية، دون أن تسبق ذلك بإطار قانوني يحمي الأطفال من أخطار هذا المجال نفسه؟
أي حماية فعلية للأطفال؟
وإذا كان الهدف فعلا هو حماية القاصرين، فإن الأولوية المنطقية لا يجب أن تقتصر على فيديوهات منصات التواصل، بل يجب أن تشمل أيضا الألعاب الإلكترونية العنيفة، التي تشكل اليوم جزءا أساسيا من حياة الأطفال.
وهو ما يستدعي تشريعا متكاملا يفرض تصنيفات عمرية ملزمة، ويمنع بعض الألعاب أو يقيدها، ويضع ضوابط على التسويق الموجه للأطفال، إلى جانب إطلاق برامج تربوية وتحسيسية للأسر والمدارس.
أما الاكتفاء بقانون يركز على “تيك توك” ومنصات التواصل، بالتوازي مع تنظيم معارض مكلفة للألعاب، فيجعل خطاب حماية الأطفال يبدو انتقائيا، وربما أقرب إلى شعار سياسي منه إلى سياسة عمومية متكاملة.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقا، هل الهدف فعلا حماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي، أم مجرد تنظيمه بما يخدم منطق التظاهرات والصفقات، حتى وإن كان الثمن صحة الأجيال القادمة؟



