قررت الجزائر إعادة سفيرها إلى نيامي، في خطوة تعكس تحولا واضحا في سياستها تجاه منطقة الساحل، بعد سنة من القطيعة والتوتر مع دول التحالف الثلاثي. القرار، الذي قدم في إطار تعزيز العلاقات الثنائية، يحمل مؤشرات على مراجعة سياسية أوسع لمحاولة استعادة موقعها داخل معادلة إقليمية شهدت تغييرات متسارعة.
ويأتي التحرك الجزائري بعد أزمة دبلوماسية حادة اندلعت السنة الماضية، إثر إسقاط الجزائر طائرة مسيرة مالية قالت إنها اخترقت مجالها الجوي، في حين أكدت باماكو أنها كانت داخل حدودها. الحادثة أدت إلى سحب مالي والنيجر وبوركينا فاسو سفراءها من الجزائر، قبل أن ترد الأخيرة بالمثل، ما عمق القطيعة مع تحالف دول الساحل.
استهداف الحلقة الأكثر هشاشة
وتشير المعطيات الأخيرة إلى أن الجزائر اختارت مقاربة انتقائية بدل المواجهة الجماعية، مركزة على النيجر باعتبارها الحلقة الأضعف داخل التحالف. وفي هذا الإطار، وجه الرئيس عبد المجيد تبون دعوة رسمية للجنرال عبد الرحمن تياني لزيارة الجزائر، في إشارة إلى رغبة واضحة في فتح صفحة جديدة مع نيامي.
واعتمد التحرك الجزائري بشكل واضح على أدوات اقتصادية، إذ زار وزير الطاقة محمد عرقاب نيامي لتأكيد استئناف نشاط شركة سوناطراك في حقل كافرا النفطي، الذي تقدر احتياطاته بنحو 260 مليون برميل.
ويمثل الحقل موردا استراتيجيا لاقتصاد النيجر، خصوصا مع توقعات بأن يشكل النفط نصف العائدات الضريبية للبلاد بحلول 2026، إلى جانب مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يبقى ورقة ضغط بيد الجزائر.
تقارب مغربي يعيد رسم التوازنات
المفارقة أن هذا التحرك جاء بعد تقارب مغربي لافت مع دول تحالف الساحل، حيث استقبل الملك محمد السادس وزراء خارجية النيجر ومالي وبوركينا فاسو في أبريل 2025 بالرباط، وطرح مبادرة لتمكين هذه الدول من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة، وهو ما أعاد ترتيب موازين القوى الإقليمية.
تحول براغماتي في الخطاب الجزائري
وتعكس عودة السفير الجزائري إلى نيامي أيضا تحولا في الخطاب السياسي، إذ انتقلت الجزائر من رفض الانقلاب في النيجر والدعوة إلى المسار الدستوري، إلى التعامل البراغماتي مع السلطة العسكرية نفسها، في خطوة تعكس أولوية حسابات النفوذ والمصالح.
غير أن هذا الرهان يحمل مخاطر واضحة، فمالي تنظر بشك إلى أي تقارب جزائري–نيجري، خاصة مع استمرار استقبال الجزائر لشخصيات مالية معارضة، بينما تبدو بوركينا فاسو أقرب إلى الموقف المالي، ما يضع نيامي أمام خيار صعب بين الحفاظ على تماسك التحالف أو الانفتاح على عروض الجزائر الاقتصادية.


