عاد الجدل حول تنظيم الشأن الديني الإسلامي في فرنسا إلى الواجهة مع إعلانين متناقضين بشأن أول أيام شهر رمضان، في خطوة أعادت طرح سؤال المرجعية الدينية ومن يملك حق تحديد المواعيد الدينية للجالية المسلمة داخل البلاد.
ففي الوقت الذي أعلن فيه المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، الذي يرأسه مسؤول مغربي، أن الخميس هو أول أيام رمضان، خرج مسجد باريس الكبير، الذي يقوده مسؤول جزائري، بإعلان مغاير حدد الأربعاء كبداية للشهر الفضيل، ما وضع مئات الآلاف من المسلمين أمام خيارين متناقضين داخل الدولة نفسها.
خلاف يتجاوز الحسابات الفلكية
ورغم أن الخلاف يقدم في ظاهره على أنه اختلاف بين اعتماد الحسابات الفلكية أو الرؤية الشرعية، إلا أن متابعين للشأن الديني في فرنسا يرون أن المسألة أعمق من ذلك بكثير، وترتبط بصراع النفوذ والتمثيلية داخل المؤسسات الإسلامية، حيث تتداخل الاعتبارات الدينية مع الخلفيات السياسية والوطنية.
فالمشهد الإسلامي في فرنسا ظل لعقود خاضعا لتوازنات بين مرجعيات مغاربية وتركية وإفريقية، وهو ما انعكس على طريقة إدارة المساجد وتحديد المواقف في القضايا الدينية الكبرى، وعلى رأسها الإعلان عن بدايات الشهور الهجرية.
إسلام فرنسي بلا مرجعية موحدة
ويعكس هذا الانقسام في العمق فشل محاولات بناء “إسلام فرنسي” موحد، رغم المبادرات المتكررة التي أطلقتها السلطات الفرنسية خلال السنوات الماضية لإعادة هيكلة المؤسسات التمثيلية للمسلمين، بهدف تقليص نفوذ المرجعيات الخارجية وتوحيد القرار الديني.
لكن الواقع يكشف أن التوازنات الداخلية، وتعدد الولاءات الثقافية والدينية، لا تزال تحول دون ظهور مؤسسة تحظى بإجماع فعلي، ما يجعل كل مناسبة دينية كبرى فرصة لتجدد الخلافات وإظهار هشاشة البنية التمثيلية للمسلمين في فرنسا.
جالية تدفع ثمن الانقسام
وفي الميدان، يتحول هذا الخلاف إلى إرباك يومي للمسلمين، حيث قد يبدأ الصيام في حي واحد في يومين مختلفين، تبعا للمسجد أو المرجعية التي يتبعها كل فرد. وهو وضع يثير استياء متزايدا داخل الجالية، التي تطالب منذ سنوات بمرجعية موحدة تضع حدا لهذه الانقسامات.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الازدواجية لا يسيء فقط إلى صورة المؤسسات الإسلامية، بل يضعف أيضا قدرتها على تمثيل المسلمين أمام السلطات الفرنسية، ويمنح خصومها السياسيين حجة إضافية للتشكيك في قدرتها على تنظيم نفسها.
رمضان يكشف ما تحت السطح
وهكذا، لم يعد اختلاف إعلان بداية رمضان مجرد مسألة فقهية أو تقنية، بل تحول إلى مرآة تعكس صراع النفوذ داخل الإسلام الفرنسي، وتكشف حدود مشاريع التوحيد التي روج لها خلال السنوات الأخيرة.
ومع كل موسم ديني جديد، يتجدد السؤال نفسه، هل تنجح المؤسسات الإسلامية في فرنسا يوما في توحيد قرارها، أم أن تعدد المرجعيات سيبقى عنوانا دائما لواقع الجالية المسلمة داخل الجمهورية؟
وفي وقت تتواصل فيه الاستعدادات الروحية والاجتماعية لاستقبال الشهر الكريم، يبقى الصراع مطروحا حول مدى قدرة المؤسسات الإسلامية في فرنسا على تجاوز هذا الانقسام، وتقديم خطاب ديني موحد يضمن وضوح المواعيد الدينية للجالية المسلمة في السنوات المقبلة.




