لا يمكن فهم ملف الصحراء المغربية في حدوده الضيقة كقضية ترابية فحسب، بل إن طبيعته المركبة تفرض التعامل معه كأحد أكثر النزاعات تعقيدًا في شمال إفريقيا، بالنظر إلى تشابك أبعاده السياسية والعسكرية والدبلوماسية. فالمسار التاريخي لهذا الملف، كما تكشفه الوقائع الميدانية والتوازنات الإقليمية، يشير إلى أن النزاع لم يكن محصورا بين المغرب وجبهة البوليساريو، بل ظل مرتبطا في جوهره بحسابات استراتيجية جزائرية تمتد إلى عمق المعادلات الجيوسياسية في المنطقة.
دعم هيكلي يتجاوز الإسناد السياسي
ومنذ المراحل الأولى لظهور جبهة البوليساريو، لعبت الجزائر دورا محوريا في توفير الشروط اللوجستيكية والسياسية لاستمرار هذا الكيان. فقد تحولت منطقة تندوف إلى قاعدة رئيسية لقيادة الجبهة ومخيماتها، كما شكل الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي عنصرا حاسما في إبقاء النزاع قائمًا على مدى عقود.
هذا الحضور لم يكن مجرد دعم ظرفي، بل اتخذ طابعا بنيويا جعل من الجزائر فاعلا رئيسيا في صياغة مواقف الجبهة وتوجيه تحركاتها، سواء على مستوى الميدان أو في المحافل الدولية. وهو ما جعل عددا من القراءات السياسية يعتبر أن مركز القرار الفعلي في هذا الملف يوجد خارج هياكل البوليساريو.
الحسابات الجيوسياسية في شمال إفريقيا
وفي خلفية هذا النزاع، تبرز معادلة التوازن الإقليمي بين الرباط والجزائر باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم مواقف الطرفين. فالجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها العسكري والطاقي، سعت إلى ترسيخ موقعها كقوة محورية في المنطقة، وهو ما انعكس على مقاربتها لملف الصحراء باعتباره ورقة استراتيجية في معادلة النفوذ.
وتشير عدة تحليلات إلى أن استمرار النزاع سمح للجزائر بالحفاظ على هامش تأثير مباشر في قضايا الساحل والصحراء، كما مكنها من إبقاء المغرب منشغلا بملف ترابي معقد يستنزف جزءا من جهوده الدبلوماسية والاقتصادية.
الحكم الذاتي.. نقطة ارتكاز الحلول الواقعية
ومع التحولات التي عرفها النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين، بدأت المقاربات الواقعية تفرض نفسها تدريجيا داخل أروقة الأمم المتحدة وعدد من العواصم المؤثرة. وفي هذا السياق، برز مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 كأحد أبرز السيناريوهات المطروحة لتسوية النزاع.
وقد حظي هذا المقترح بدعم متزايد من قوى دولية كبرى، اعتبرته أساسا جديا وذا مصداقية لحل سياسي دائم. في المقابل، ظل الموقف الجزائري متحفظا إزاء هذا الطرح، في ظل اعتبارات أمنية واستراتيجية ترتبط بتوازن القوى في المنطقة.
تحولات دولية تضيق هامش المناورة
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت قضية الصحراء تحولات لافتة على مستوى المواقف الدولية، خصوصا مع إعلان عدد من الدول دعمها الصريح أو الضمني لمغربية الصحراء، وافتتاح قنصليات في مدن الجنوب. كما ساهمت التحولات الجيوسياسية في الساحل وغرب إفريقيا في إعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى، التي باتت تركز أكثر على الاستقرار الإقليمي بدل النزاعات الممتدة.
وأضعفت هذه التطورات تدريجيا فاعلية الخطاب التقليدي القائم على تقرير المصير بصيغته الكلاسيكية، ودفعت نحو مقاربات براغماتية تراعي موازين القوى والاعتبارات الأمنية في المنطقة.
كلفة النزاع على المشروع المغاربي
وبعيدا عن الحسابات الثنائية، شكل استمرار النزاع عائقا رئيسيا أمام أي مشروع اندماجي في منطقة المغرب الكبير. فغياب التنسيق بين الرباط والجزائر، أكبر اقتصادين في المنطقة، حرم الفضاء المغاربي من فرص اقتصادية وسياسية كان من شأنها أن تعزز موقعه دوليا.
وتشير تقارير اقتصادية متعددة إلى أن تعطيل الاتحاد المغاربي كلف دول المنطقة خسائر تنموية كبيرة، في وقت تتجه فيه التكتلات الإقليمية الأخرى نحو مزيد من الاندماج الاقتصادي والسياسي.
نحو مرحلة حاسمة في مسار النزاع
وفي ضوء التحولات الإقليمية والدولية، يبدو أن ملف الصحراء يقترب من مرحلة مفصلية قد تعيد رسم ملامح التسوية النهائية. فالمقاربات الواقعية المدعومة دوليًا، إلى جانب الدينامية التنموية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، تفرض معطيات جديدة على طاولة المفاوضات.
وفي هذا السياق، يظل دور الجزائر عنصرا حاسما في أي مسار تفاوضي، بحكم موقعها وتأثيرها المباشر في الملف. فإشراكها بشكل صريح في مسار الحل، كما تدعو إلى ذلك قرارات مجلس الأمن، قد يشكل أحد المفاتيح الأساسية لإنهاء أحد أطول النزاعات في القارة الإفريقية.
وفي المحصلة، يتضح أن قضية الصحراء لم تكن يوما مجرد نزاع حدودي تقليدي، بل هي انعكاس لصراع توازنات إقليمية ممتد، تتداخل فيه الحسابات الاستراتيجية مع التحولات الدولية. وبين منطق الاستمرار في إدارة النزاع ومنطق البحث عن تسوية واقعية، تتجه الأنظار إلى الخيارات التي ستحدد شكل المنطقة لعقود مقبلة.


