حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

في سياق مجتمعي يطمح إلى تعزيز قيم المساواة والحرية الفردية، يبرز خطاب الداعية المغربي رضوان بن عبد السلام كنموذج إشكالي يطرح تساؤلات حارقة حول تحول الدين من رسالة روحية إلى أداة للتمييز الاجتماعي وتعميق الفوارق.

فبالرغم من اعتماده أسلوبا مباشرا ولغة ساخرة “زنقاوية”، مما منحه تأثيرا واسعا في صفوف الشباب والطبقات الشعبية، إلا أن هذا الخطاب يحمل في طياته نبرة استفزازية تكرس التمييز وتفرض قيودا صارمة كالسم المدسوس في العسل. وهذا ما ظهر جليا في تدويناته الأخيرة التي أثارت جدلا واسعا حين صرح قائلا: “يجوز للصائم أن يتعطر بعطر ممتاز وماشي ديال خمسة دراهم، أما المرأة فلا يجوز التعطر خارج البيت… والرجل الذي يسمح لزوجته أو ابنته بالتعطر فهو شريكها في الإثم”.

التوجيه الديني والرقابة الاجتماعية

إن هذا الربط المباشر بين التوجيه الديني والرقابة الاجتماعية يجسد بوضوح كيف يتم تقديم الالتزام الديني كأداة لضبط السلوك الشخصي والعائلي، مع إضفاء طابع أخلاقي قسري على تفاصيل الحياة اليومية للمرأة، محولا إياها إلى موضوع للمنع والوصاية.

ولم يتوقف هذا الخطاب عند حدود التمييز بين الجنسين، بل امتد ليشمل أبعادا طبقية واضحة، فاشتراطه أن يكون عطر الصائم “ممتازا” يربط بشكل ضمني بين الالتزام الديني والقدرة الشرائية، مما يعكس تحيزا ضد الفئات الهشة التي لا تملك ترف اقتناء سلع باهظة، ويحول التدين إلى مظهر من مظاهر الوجاهة الاجتماعية، وتعميق الفجوة بين “المتدينين” وغيرهم، مروجا لفكرة إقصائية مفادها أن من لا يمتثل لرؤيته الخاصة فهو خارج عن نطاق التدين الصحيح.

مواجهة مع النموذج الديني الرسمي

هذا المسار الصدامي يضع خطاب رضوان بن عبد السلام في مواجهة مباشرة مع النموذج الديني الرسمي الذي يسعى المغرب لترسيخه عبر المجلس العلمي الأعلى ووزارة الأوقاف، وهو نموذج قائم على “الأمن الروحي” والوسطية، ويهدف إلى جعل الدين عنصرا جامعا لا مفرقا.

إن استمرار هذا النوع من الوعظ الرقمي يؤدي إلى تآكل قيم العيش المشترك، حيث يستبدل فقه المقاصد والاعتدال بمنطق الطاعة المطلقة والوصاية الذكورية، مما يعيق التطور الاجتماعي والفكري المنشود. فالخطورة هنا لا تكمن فقط في تقليص مساحات الحوار، بل في محاولة شرعنة “القمع الاجتماعي” باسم القيم الروحية، وهو ما يستوجب وعيا مجتمعيا قادرا على الفصل بين جوهر الدين وبين الخطابات الرجعية التي تستغل العاطفة الدينية لنشر التمييز.

إن حماية الحرية الفردية وضمان التقدم الاجتماعي يتطلبان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التصدي لهذا الفكر بحوار عقلاني ومسؤول، يكرس التدين كقيمة إنسانية تعلي من شأن العدالة والمساواة، بدلا من استخدامه كسياج لفرض التمييز والطبقية.