بعد سنوات من القلق المرتبط بندرة المياه وتوالي مواسم الجفاف، كشفت المعطيات الرسمية إلى غاية يوم الجمعة الأخير عن تحول لافت في الوضعية المائية بالمملكة، بعدما بلغت الموارد المخزنة في السدود حوالي 11.7 مليارات متر مكعب، بنسبة ملء وطنية ناهزت 70.3 في المائة، في مؤشر يقرأ كأحد أقوى التحسنات المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
قفزة مقارنة بسنة 2025
وتعكس الأرقام الحالية تغيرا جذريا مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، حين لم تكن نسبة الملء تتجاوز 27 في المائة، بحجم مخزون لم يزد عن 4.7 مليارات متر مكعب. أما اليوم، فقد ارتفع الحجم الإجمالي للمياه المخزنة إلى 11.778 مليار متر مكعب من أصل قدرة استيعابية تبلغ نحو 16.76 مليار متر مكعب، أي بزيادة تقدر بـ153 في المائة مقارنة بالسنة الماضية.
ولا يمثل هذا التطور مجرد تحسن ظرفي، بل يعكس انفراجا نسبيا بعد مرحلة اتسمت بإجهاد مائي حاد، أثر على الفلاحة والتزويد الحضري، وفرض على السلطات تسريع برامج تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة.
تفاوت بين الأحواض المائية
وبرز حوض اللوكوس كأحد أفضل الأحواض أداء هذا الموسم، إذ بلغت نسبة ملئه 94.98 في المائة، بمخزون يقارب 1.81 مليار متر مكعب من أصل 1.91 مليار متر مكعب، مستفيدا من التساقطات الغزيرة وذوبان الثلوج.
بدوره، سجل حوض سبو أحد أكبر المخزونات وطنيا، بحجم يقارب 4.7 مليارات متر مكعب، ونسبة ملء في حدود 84.72 في المائة، ما يعزز موقعه كخزان استراتيجي للأمن المائي الوطني.
وفي حوض أبي رقراق بلغت نسبة الملء 94.54 في المائة، بمخزون يناهز 1.02 مليار متر مكعب من أصل 1.08 مليارات متر مكعب، وهو مستوى يبعث على الاطمئنان بالنسبة للمدن الكبرى المستفيدة من مياهه.
أما حوض ملوية فقد سجل نسبة ملء تقارب 64.06 في المائة، بحجم مخزون بلغ حوالي 459 مليون متر مكعب من أصل 717 مليون متر مكعب. ولم يكن التحسن المسجل موحدا بين مختلف الأحواض، بل أظهر تفاوتا واضحا يعكس طبيعة التساقطات وتوزيعها الجغرافي.
أحواض لا تزال تحت الضغط
حوض أم الربيع، رغم بلوغ مخزونه حوالي 2.49 مليار متر مكعب، لم تتجاوز نسبة ملئه 50.33 في المائة، وهو رقم يظل مقلقا بالنظر إلى الثقل الفلاحي والصناعي الذي تعرفه المنطقة.
وفي حوض سوس ماسة بلغت نسبة الملء 54.43 في المائة، بمخزون يقارب 398 مليون متر مكعب من أصل 731 مليون متر مكعب، ما يعكس استمرار الحاجة إلى تدبير عقلاني للموارد في منطقة تعتمد بشكل كبير على النشاط الفلاحي.
أما حوض درعة واد نون، فرغم التساقطات الأخيرة، لم تتجاوز نسبة الملء 35.10 في المائة، بمخزون يقارب 368 مليون متر مكعب من أصل 1.04 مليارات متر مكعب، ليظل ضمن الأحواض الأكثر هشاشة.
في المقابل، سجل حوض تانسيفت نسبة ملء بلغت 86.61 في المائة، بمخزون ناهز 196.8 ملايين متر مكعب من أصل 227 مليون متر مكعب، في حين بلغ حوض زيز كير غريس نسبة 59.60 في المائة، بمخزون يقارب 320 مليون متر مكعب من أصل 537 مليون متر مكعب. ورغم التحسن العام، ما تزال بعض الأحواض تعاني من وضعية مائية هشة نسبيا.
بين الانفراج واليقظة
فالتغيرات المناخية تجعل التساقطات غير منتظمة، وتبقي احتمال العودة إلى سنوات جفاف قائمة في أي وقت. كما أن الضغط الديمغرافي، والتوسع العمراني، والحاجيات الفلاحية والصناعية المتزايدة، تفرض الانتقال من منطق تدبير الأزمة إلى منطق التخطيط الاستباقي طويل الأمد.
وعليه، فإن ارتفاع نسبة الملء إلى أكثر من 70 في المائة يُعد مؤشرا إيجابيا ورسالة طمأنة للأسواق والقطاعات الإنتاجية، لكنه في الوقت ذاته يضع صناع القرار أمام اختبار حقيقي: هل سيتم استثمار هذا التحسن في تسريع مشاريع التحلية والربط بين الأحواض وترشيد الاستهلاك، أم سيكتفى بالاطمئنان إلى وفرة قد تكون عابرة؟
الأرقام الحالية تحمل بارقة أمل واضحة، لكنها تذكير أيضا بأن الأمن المائي لم يعد رهين الأمطار وحدها، بل أصبح قضية استراتيجية تتطلب رؤية بعيدة المدى وتوازنا دقيقا بين التنمية والاستدامة. والتحسن الحالي يمنح المغرب هامشا زمنيا مهما لإعادة ترتيب أولوياته في مجال الأمن المائي، غير أن التجارب السابقة تؤكد أن الوفرة الظرفية لا تعني نهاية الأزمة البنيوية.


