حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في مشهد سياسي يختزل الكثير من مفارقات المرحلة، خرج عضو بمجلس الجهة الشرقية ينتمي إلى حزب التقدم والاشتراكية ليدعو إلى إطلاق سراح عبد النبي بعيوي، المدان في الملف الذي اشتهر إعلاميا باسم “إسكوبار الصحراء”. دعوة قد تبدو للوهلة الأولى مجرد رأي سياسي، لكنها في العمق تكشف تحولا خطيرا في مفهوم المسؤولية العمومية وحدود الخطاب الحزبي.

القضية التي هزت الرأي العام، والمعروفة إعلاميا بـ “إسكوبار الصحراء”، لم تكن مجرد عنوان صحفي مثير، بل ملفا قضائيا ثقيلا ارتبط بشبهات الاتجار الدولي في المخدرات وشبكات نفوذ معقدة. وعندما يصدر صوت سياسي منتخب ليدعو إلى إطلاق سراح مدان في مثل هذا الملف، فإن السؤال لا يتعلق فقط بحرية التعبير، بل بمدى احترام استقلال القضاء ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

من الدفاع عن الفئات الهشة إلى الدفاع عن المدانين؟

ولطالما قدم حزب التقدم والاشتراكية نفسه كحزب “الطبقات الشعبية” و”العدالة الاجتماعية”. غير أن بعض الأصوات داخله باتت، على ما يبدو، تعيد تعريف مفهوم “التضامن”، ليمتد من الدفاع عن المعطلين وصغار الموظفين إلى المطالبة بإطلاق سراح مدانين في ملفات ثقيلة.

فهل أصبح النضال اليوم يعني التشكيك في الأحكام القضائية كلما تعلق الأمر باسم ذي وزن سياسي أو انتخابي؟ أم أننا أمام محاولة لإعادة صياغة السردية، بتحويل المدان إلى “ضحية ظروف” أو “كبش فداء” في معركة أكبر؟

رسائل سياسية أم حسابات انتخابية؟

ولا يمكن قراءة هذه الدعوة بمعزل عن السياق السياسي العام. فالمشهد الحزبي يعيش حالة سيولة، والتحالفات تتحرك تحت الطاولة أكثر مما تتحرك فوقها. في هذا المناخ، قد تتحول القضايا القضائية إلى أوراق ضغط، وقد يصبح الخطاب الموجه للرأي العام مشحونا برسائل مبطنة.

وقد تفهم الدعوة لإطلاق سراح بعيوي كإشارة إلى دوائر معينة، أو محاولة لاستمالة قواعد انتخابية ترى في الرجل “منتخبا سابقا” أكثر مما تراه “مدانا بحكم قضائي”. وهنا تكمن الخطورة، حين تختلط المعايير القانونية بالاعتبارات الانتخابية، يصبح القضاء طرفا في معركة لا تخصه.

أي صورة للمؤسسات؟

المفارقة أن المنتخب الجهوي، بحكم موقعه، يمثل مؤسسة من مؤسسات الدولة. وعندما يخرج هذا الممثل ليطالب بإطلاق سراح شخص أدين في ملف جنائي خطير، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن بسيطة ومقلقة في آن واحد، السياسة مستعدة دائما لإعادة تأويل الأحكام، متى اقتضت المصلحة.

وفي دولة تؤكد باستمرار على استقلال السلطة القضائية، يبدو مثل هذا الخطاب أقرب إلى اختبار غير مباشر لصلابة المؤسسات. فإما أن تبقى الأحكام القضائية عنوان الحقيقة القانونية، أو تتحول إلى مجرد محطة قابلة للتفاوض في سوق المواقف السياسية.

بين السخرية والقلق

وقد يبتسم البعض بسخرية وهم يسمعون منتخبا يتحدث عن إطلاق سراح مدان في ملف “إسكوبار الصحراء”، وكأننا أمام عنوان مسلسل درامي لا حكم قضائي. لكن خلف هذه السخرية يكمن قلق حقيقي، إلى أي حد يمكن أن يذهب الخطاب السياسي في تبرير ما لا يبرر؟

السياسة بطبيعتها مساحة للنقاش والاختلاف، لكنها أيضا مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون منصة للشعارات. وعندما تتحول إلى منبر لمراجعة أحكام القضاء عبر التصريحات، فإننا لا نكون فقط أمام زلة لسان، بل أمام أزمة في فهم معنى التمثيل العمومي.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقا، هل نحن أمام موقف فردي معزول، أم مؤشر على مناخ سياسي يزداد استعدادا لمزج الأوراق بين العدالة والحسابات؟ والجواب لن تحدده التصريحات، بل ستحدده طريقة تعامل الأحزاب نفسها مع حدود الخطاب، واحترامها للخط الفاصل بين التضامن السياسي والطعن الضمني في القضاء.