حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

سقطت الأقنعة الدبلوماسية في المسرح العالمي المعاصر لتكشف عن حقيقة مريرة والتي هي أن القوة هي القانون الدولي، والقانون الدولي هو القوة. فلم يعد القانون مرجعا أخلاقيا أو تعاقديا يحمي الدول، لقد تحول الى أداة طيعة في يد من يملك القدرة على فرض إرادته بالحديد والنار والحصار، ليصيغ شرعية تفصل على مقاس مصالح القوى الامبريالية الجديدة الكبرى.

فنزويلا: اختطاف السيادة بقرار إمبراطوري

يمثل ما شهده بداية سنة 2026 من اعتقال للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة ذروة هذا العبث. إن إقدام دولة على اختطاف رئيس دولة أخرى من قلب عاصمته هو إعلان رسمي عن وفاة الحصانة الدبلوماسية ومفهوم السيادة الوطنية.

في هذا المشهد، لم تكن المرجعية لنصوص ميثاق الأمم المتحدة، بل كانت وحدات العمليات الخاصة هي التي منحت لنفسها الحق في تجاوز الحدود. لقد تحول مفهوم العدالة الدولية هنا إلى مجرد مذكرة توقيف تصدرها قوة مهيمنة وتنفذها بأسلوب القرصنة، مؤكدة أن القانون الدولي هو الإرادة المنفردة للأقوى، ولا عزاء للضعفاء.

الشرق الأوسط وإيران: لا حق للغير في امتلاك أسلحة الردع

ما يشهده العالم اليوم من عدوان مفتوح ومستمر من طرف الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وما يرافقه من استباحة للأراضي في لبنان وسوريا، هو تطبيق عملي لمعادلة أن الحق هو ما تفرضه الطائرات. ففي إيران تشن حرب شاملة تتجاوز كل الخطوط الحمراء، بحيث يتم استبدال لغة الحوار بالاغتيالات والضربات الاستباقية، مما يكرس منطق أن القانون الدولي لا يحمي من لا يملك الردع الكافي.

أما في لبنان وسوريا، فقد تحولت هذه الجغرافيا إلى ساحات مستباحة، حيث تنتهك السيادة يوميا تحت ذرائع أمنية واهية. هنا، يثبت الأقوياء أن الحدود الدولية ليست سوى خطوط وهمية أمام الترسانات الحديثة.

الأمم المتحدة: هيكل بلا روح

وسط هذا الانهيار، يبرز عجز الأمم المتحدة كشاهد عيان على احتضار النظام العالمي القديم، فقد تحولت المنظمة الدولية إلى منصة للخطابة عاجزة عن حماية حتى الحد الأدنى من ميثاقها.

إن اصطدام قرارات مجلس الأمن بجدار “الفيتو”، أو تجاهلها تماما كما يحدث في العدوان على إيران ولبنان، يؤكد أن المؤسسة الأممية باتت مجرد صدى لإرادة القوى العظمى. هذا العجز ليس خللا إداريا، إنه نتيجة طبيعية لتحول القانون الدولي إلى مجرد أداة لتبرير القوة بدلا من أن يكون أداة للجمها.

البشرية أمام منزلق خطير

إن اختزال القانون الدولي في القوة يضع البشرية أمام منزلق خطير، حيث لا صوت يعلو فوق صوت أنا الدولة التي تملك الصاروخ والقرار. فنزويلا وإيران ولبنان وسوريا ليست سوى محطات في مسار تدمير مفهوم الدولة الوطنية لصالح غابة دولية كبرى.

إن العالم الذي يحكم بمنطق القوة الصرفة هو عالم بلا أمان، لأن القوة متغيرة والقانون الذي يبنى على فوهات المدافع سيزول حتما عندما تنفد الذخيرة.

بقلم: هشام بنوشن (باحث في العلوم السياسية)