في سياق دولي يتسم باضطراب متزايد نتيجة اتساع رقعة التوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، تجد العديد من الاقتصادات نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم مؤشرات نشاطها الصناعي والاستثماري. فهذه التوترات، التي انعكست بشكل مباشر على سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والمواد الأولية، باتت تفرض على الدول مراقبة تطور قطاعاتها الإنتاجية بحذر أكبر، وهو واقع لا يخرج عنه الاقتصاد المغربي.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية الخاصة ببداية سنة 2026 عن توجه عام نحو التفاؤل الحذر لدى الفاعلين الاقتصاديين، خصوصا داخل القطاع الثانوي الذي يضم الصناعة والبناء والطاقة والاستخراج. فمع بداية السنة الجارية، تشير توقعات أرباب المقاولات إلى إمكانية تسجيل تحسن في مستويات الإنتاج والتشغيل خلال الأشهر الأولى، مدفوعا بانتعاش مرتقب في بعض الفروع الصناعية ودينامية مشاريع البنية التحتية.
انتعاش مرتقب في الصناعة التحويلية
وتظهر المعطيات المتوفرة أن قطاع الصناعة التحويلية قد يشهد تحسنا نسبيا في مستويات الإنتاج خلال الربع الأول من سنة 2026. ويعود هذا التوجه أساسا إلى دينامية عدد من الفروع الصناعية التي تعد من الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني.
وتبرز الصناعات الغذائية في مقدمة هذه الأنشطة، بالنظر إلى استقرار الطلب عليها داخليا وخارجيا، إضافة إلى الصناعات الكيماوية التي تستفيد من تنامي الطلب المرتبط بعدد من القطاعات الإنتاجية. كما تشير المؤشرات إلى تحسن محتمل في نشاط صناعة المنتجات المعدنية باستثناء الآلات والمعدات، وهو ما يعكس بوادر انتعاش في الطلب على هذه المواد.
غير أن هذه الدينامية لا تشمل جميع الفروع الصناعية، إذ تشير التوقعات إلى احتمال تسجيل تراجع في بعض الأنشطة. ويبرز من بينها قطاع صناعة السيارات الذي يظل مرتبطا بشكل وثيق بتقلبات الطلب الخارجي وسلاسل التوريد العالمية، إضافة إلى قطاع صناعة المنتجات المعدنية غير الفلزية الذي قد يشهد تباطؤا خلال الفترة نفسها.
تحسن محدود في سوق الشغل الصناعي
على مستوى التشغيل داخل القطاع الصناعي، تعكس التوقعات إمكانية تسجيل زيادة طفيفة في عدد العاملين خلال الربع الأول من السنة. ويعزى هذا التطور إلى التحسن المتوقع في مستويات الإنتاج داخل بعض الفروع الصناعية، وهو ما قد يدفع المقاولات إلى توسيع حجم اليد العاملة بشكل محدود لمواكبة النشاط الإنتاجي.
في المقابل، تبدو آفاق الصناعات الاستخراجية أكثر تحفظا خلال بداية سنة 2026. فالتوقعات تشير إلى احتمال تسجيل انخفاض في مستويات الإنتاج خلال الربع الأول، ويرتبط ذلك أساسا بتوقع تراجع إنتاج الفوسفاط خلال هذه الفترة.
ويعد هذا القطاع من الأعمدة الاستراتيجية للاقتصاد المغربي، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تلعبه الموارد الفوسفاطية في دعم الصادرات وتعزيز موقع المملكة داخل الأسواق العالمية للمواد الأولية.
ورغم توقعات تراجع الإنتاج، تشير المعطيات إلى إمكانية تسجيل ارتفاع في عدد العاملين داخل هذا القطاع، ما يعكس استمرار الحاجة إلى اليد العاملة في الأنشطة المرتبطة بالاستخراج والتطوير.
قطاع الطاقة تحت تأثير التقلبات
في قطاع الطاقة، تشير التوقعات كذلك إلى احتمال تسجيل انخفاض في الإنتاج خلال الربع الأول من سنة 2026. ويعزى هذا التراجع أساسا إلى الانخفاض المرتقب في أنشطة إنتاج وتوزيع الكهرباء والغاز والبخار والتكييف.
ويظل هذا القطاع من أكثر القطاعات ارتباطا بالتقلبات الموسمية في الطلب على الطاقة، إضافة إلى التحولات التي يعرفها سوق الطاقة على المستويين الوطني والدولي. كما تشير المؤشرات إلى احتمال تسجيل تراجع في عدد العاملين داخل القطاع خلال الفترة نفسها، في انعكاس مباشر لانخفاض النشاط الإنتاجي المتوقع.
استقرار في قطاع الصناعة البيئية
في المقابل، تبدو آفاق النشاط داخل قطاع الصناعة البيئية أكثر استقرارا. فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن المقاولات العاملة في هذا المجال تتوقع الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية خلال الربع الأول من السنة.
ويشمل هذا القطاع أساسا الأنشطة المرتبطة بجمع المياه ومعالجتها وتوزيعها، وهي خدمات ترتبط بالبنيات الأساسية وتتميز عادة بدرجة عالية من الاستقرار الاقتصادي. كما تشير التوقعات إلى أن مستويات التشغيل داخل هذا القطاع ستظل مستقرة خلال الفترة نفسها.
دينامية إيجابية في البناء والأشغال العمومية
أما قطاع البناء والأشغال العمومية، فيبدو أنه يسير في اتجاه أكثر تفاؤلا مقارنة ببعض القطاعات الأخرى. إذ تشير توقعات المقاولات إلى احتمال تسجيل ارتفاع في النشاط خلال الربع الأول من سنة 2026.
ويعكس هذا التطور استمرار الدينامية التي يعرفها القطاع خلال السنوات الأخيرة، مدفوعا بعدد من المشاريع الاستثمارية الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية والتنمية الحضرية.
ومن المرجح أن يقود هذا الانتعاش نشاط فرعي تشييد المباني والهندسة المدنية، وهما مجالان يرتبطان مباشرة بالمشاريع العمرانية الكبرى وبرامج الاستثمار العمومي والخاص في البنيات التحتية.
غير أن هذه الدينامية لا تشمل جميع الأنشطة داخل القطاع، إذ تشير التوقعات إلى احتمال تسجيل تراجع في نشاط أشغال البناء المتخصصة خلال الفترة نفسها، وهو ما قد يحد نسبيا من وتيرة النمو الإجمالية للقطاع.
اقتصاد بين الانتعاش والحذر
في المجمل، تعكس هذه المؤشرات صورة مركبة لآفاق الاقتصاد المغربي خلال بداية سنة 2026. فبينما تظهر بوادر انتعاش في بعض الفروع الصناعية وقطاع البناء، تظل قطاعات أخرى أكثر عرضة لتأثير التقلبات الدولية، خاصة تلك المرتبطة بأسواق الطاقة والمواد الأولية.
ويبقى تطور هذه التوقعات رهينا بالتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خصوصا في ظل استمرار الضغوط الجيوسياسية وتقلبات الأسواق الدولية. ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية تعكس نوعا من التفاؤل الحذر لدى الفاعلين الاقتصاديين بشأن قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق تحسن تدريجي في النشاط الإنتاجي خلال الأشهر الأولى من السنة.


