أدخل التصعيد العسكري المتزايد في الشرق الأوسط الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من الترقب وعدم اليقين، بعدما انعكست التوترات الجيوسياسية بسرعة على أسواق الطاقة العالمية. فالتقلبات التي عرفتها أسعار النفط خلال الأيام الأخيرة لم تعد مجرد رد فعل ظرفي للأسواق، بل باتت مؤشرا على مخاطر أوسع قد تمتد إلى قرارات البنوك المركزية الكبرى، بما فيها بنك المغرب الذي يستعد لعقد أول اجتماع لمجلسه خلال السنة الجارية في 17 مارس.
تقرير تحليلي صادر عن وحدة الأبحاث في مجموعة التأمين الدولية “أليانز ترايد” رسم خريطة لثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار الصراع في المنطقة، مع ربط مباشر بين تطوراته العسكرية واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
السيناريو الأول، الذي يعتبره الخبراء الأكثر ترجيحا، يفترض تصعيدا محدودا زمنيا لا يتجاوز أربعة أسابيع، ينتهي بتفاهم سياسي بين الولايات المتحدة وإيران يفتح الباب أمام انتقال السلطة في طهران. ووفق هذا التصور، قد يشهد مضيق هرمز إغلاقا مؤقتا لفترة قصيرة لا تتجاوز أسبوعين، دون أن تتعرض منشآت النفط في المنطقة لأي أضرار كبيرة.
وفي هذه الحالة، قد ترتفع أسعار النفط بشكل مؤقت لتبلغ نحو 85 دولارا للبرميل قبل أن تعود تدريجيا إلى مستويات قريبة من 70 دولارا مع نهاية عام 2026، وهو مستوى يعتبره الخبراء قابلا للاحتواء من طرف الاقتصاد العالمي. كما يتوقع أن تبقى معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى ضمن نطاق يمكن التحكم فيه، حيث قد تستقر في حدود 2.6 في المائة في الولايات المتحدة و2.1 في المائة في منطقة اليورو.
سيناريو الحرب الطويلة وضغوط التضخم
أما السيناريو الثاني، الذي تقدر الدراسة احتماليته بدرجة متوسطة، فيفترض امتداد المواجهة العسكرية لفترة أطول دون مخرج سياسي واضح. في هذا الوضع قد يستمر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز لفترة تتجاوز الأسبوعين، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع أكبر في أسعار الطاقة.
في هذا السيناريو قد يصل سعر النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل قبل أن تعود الأسعار إلى مستويات أقل مع تكيف الأسواق. غير أن هذا الارتفاع سيترجم مباشرة إلى ضغوط تضخمية إضافية على الاقتصاد العالمي، حيث قد ترتفع الأسعار في الولايات المتحدة بنحو نصف نقطة مئوية تقريباً لتصل إلى حدود 3.1 في المائة.
مثل هذا التطور سيجعل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أقل ميلا إلى خفض أسعار الفائدة، مع احتمال الإبقاء عليها في مستويات مرتفعة تقارب 3.75 في المائة. وفي المقابل، قد يتأثر النمو الاقتصادي في منطقة اليورو لينخفض إلى حدود 1 في المائة، ما يعكس التأثير العميق لأسعار الطاقة على النشاط الاقتصادي في الاقتصادات الصناعية.
السيناريو الأسوأ.. صدمة نفطية عالمية
السيناريو الثالث، الذي تصنفه الدراسة ضمن “مخاطر الذيل” ذات الاحتمالية الضعيفة، يتصور تصعيدا عسكريا واسع النطاق يشمل ضربات تستهدف البنية التحتية النفطية في المنطقة أو قواعد عسكرية أمريكية، ما سيؤدي إلى تدخل عسكري واسع لتأمين مضيق هرمز.
في هذه الحالة قد تتجاوز أسعار خام برنت عتبة 130 دولاراً للبرميل قبل أن تعود إلى نحو 80 دولارا بنهاية السنة. لكن الصدمة التي ستحدثها هذه القفزة ستكون كبيرة على الاقتصاد العالمي، إذ قد يرتفع التضخم إلى نحو 3.8 في المائة في الولايات المتحدة و3.1 في المائة في أوروبا، مع تباطؤ واضح في النمو الاقتصادي العالمي ليبلغ حوالي 2.1 في المائة في أمريكا و0.8 في المائة في أوروبا.
كما قد يدفع هذا السيناريو الاحتياطي الفيدرالي إلى تشديد سياسته النقدية أكثر، مع رفع أسعار الفائدة إلى نحو 4 في المائة.
ارتباك واضح في أسواق الطاقة
وبدأت الأسواق الطاقية بالفعل في التفاعل مع التوترات الجيوسياسية في المنطقة. فمنذ بداية شهر مارس ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 13 في المائة لتصل إلى حوالي 82 دولارا للبرميل، في مؤشر واضح على حساسية السوق لأي اضطراب في إمدادات الطاقة.
كما شهد مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب 30 في المائة من تجارة النفط العالمية، تعطل حركة أكثر من 200 ناقلة نفط وغاز طبيعي مسال، وهو ما يعكس حجم المخاطر المرتبطة بأي توتر عسكري في هذا الممر الاستراتيجي.
وبناء على هذه التطورات رفعت “أليانز ترايد” توقعاتها لمتوسط سعر النفط في عام 2026 إلى نحو 70 دولارا للبرميل، بزيادة تقارب 15 في المائة مقارنة بتوقعاتها السابقة، مع احتمال بلوغ الأسعار ذروة مؤقتة في حدود 85 دولارا.
تداعيات مباشرة على الاقتصاد المغربي
بالنسبة للمغرب، الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، فإن أي ارتفاع مستدام في أسعار النفط ينعكس مباشرة على التوازنات الاقتصادية الداخلية. فزيادة أسعار الطاقة تعني ارتفاعا فوريا في كلفة الواردات الطاقية، وهو ما يضغط على الميزان التجاري ويزيد من كلفة الدعم غير المباشر للطاقة.
كما أن تأثير النفط لا يتوقف عند أسعار الوقود فقط، بل يمتد إلى تكاليف النقل والإنتاج، ما يؤدي إلى ارتفاع تدريجي في أسعار السلع والخدمات. ويترجم هذا الوضع غالبا في شكل تضخم “مستورد”، خصوصا أن الاقتصاد المغربي مرتبط أيضا بأسعار المواد الغذائية في الأسواق الدولية، وعلى رأسها القمح.
بنك المغرب أمام معادلة معقدة
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو السياسة النقدية أمام معادلة دقيقة. فإذا كان ارتفاع أسعار النفط مؤقتا ومحدودا، فإن تأثيره على التضخم قد يبقى محدودا في حدود 0.1 إلى 0.2 نقطة مئوية، وهو ما يسمح للبنوك المركزية بالحفاظ على توجهاتها الحالية.
لكن في حال استمرار التوترات لفترة أطول، فإن الضغوط التضخمية قد تصبح أكثر وضوحاً، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى تبني موقف أكثر حذرا.
وبالنسبة لبنك المغرب، فإن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية قد يقلص هامش المناورة المتاح أمامه. فالتضخم المستورد قد يدفع المؤسسة النقدية إلى الإبقاء على سياسة نقدية متحفظة، مع احتمال تأجيل أي خفض لأسعار الفائدة إلى حين اتضاح صورة الأسواق العالمية واستقرار أسعار الطاقة.
المغرب بين الصدمة الطاقية والتحول الطاقي
اقتصاديا، تكشف هذه التطورات مرة أخرى هشاشة الاقتصادات المستوردة للطاقة أمام الصدمات الجيوسياسية. فكل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر النفط يمكن أن يضيف مئات ملايين الدولارات إلى فاتورة الطاقة المغربية سنويا.
غير أن هذه الأزمات قد تحمل أيضا جانبا إيجابيا، إذ تدفع الدول إلى تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري. وفي حالة المغرب، الذي استثمر خلال السنوات الأخيرة في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، قد تتحول هذه التحولات العالمية إلى فرصة لتعزيز استقلاله الطاقي وتقليص حساسيته للتقلبات الجيوسياسية في أسواق النفط.


