لم يعد ركود سوق المجوهرات في المغرب مرتبطا فقط بتراجع الإقبال الموسمي أو تبدل عادات الاستهلاك، بل أصبح امتدادا مباشرا لصدمة عالمية في أسعار الذهب. فالمعدن النفيس دخل منذ 2025 موجة صعود قوية، مدفوعا بالطلب الاستثماري وعمليات الشراء المكثفة من البنوك المركزية، قبل أن يبلغ في 2026 مستويات تاريخية غير مسبوقة، بعدما تجاوز في بعض الجلسات حاجز خمسة آلاف دولار للأوقية. كما أن متوسط السعر السنوي في 2025 بلغ 3431 دولارا، وهو أعلى متوسط سنوي على الإطلاق، بعد 53 مستوى قياسيا جديدا خلال العام نفسه.
لماذا ارتفع الذهب بهذه السرعة؟
العوامل التي دفعت الذهب إلى هذا الصعود ليست تقنية فقط، بل مرتبطة بمزيج من التوترات الجيوسياسية والقلق المالي العالمي. تقارير حديثة أظهرت أن الذهب استفاد من اندفاع المستثمرين نحو أصول الملاذ الآمن، بينما واصلت بنوك مركزية كبرى تعزيز احتياطاتها، وعلى رأسها الصين التي مدت مشترياتها للشهر السابع عشر على التوالي إلى نهاية مارس 2026. وفي موازاة ذلك، ارتفعت مخاوف البنوك المركزية نفسها من التوترات الجيوسياسية، إذ اعتبرها نحو 70% من المشاركين في أحد الاستطلاعات الخطر العالمي الأول، وهو ما عزز مكانة الذهب كأداة تحوط في بيئة دولية مضطربة.
التقلب لا يقل خطورة عن الغلاء
ولا تكمن المشكلة فقط في ارتفاع السعر، بل في عنف التقلبات أيضا. ففي مطلع 2026 لامس الذهب مستويات تفوق 5100 دولارات للأوقية، ثم عاد لاحقاً إلى التراجع في بعض الجلسات نحو نطاق 4650 إلى 4770 دولارا، متأثرا بتطورات الحرب في الشرق الأوسط، وأسعار النفط، وتوقعات أسعار الفائدة الأميركية، وحركة الدولار. هذا النوع من التذبذب يخلق مناخاً من الحذر الشديد داخل الأسواق، لأن المستهلك النهائي لا يرى أمامه اتجاهاً مستقرا، بل سوقا يصعب التنبؤ بها من أسبوع إلى آخر.
كيف ينعكس ذلك على المغرب؟
في السوق المغربية، تظهر الصدمة بشكل أوضح في تجارة الحلي أكثر من الاستثمار المالي. فالمستهلك الذي كان يقتني الذهب للزينة أو الادخار العائلي بات يواجه أسعارا تفوق قدرته الشرائية، بينما يفضل جزء مهم من الزبناء تأجيل قرار الشراء انتظاراً لتراجع محتمل أو على الأقل لاستقرار السوق. والنتيجة هي تراجع واضح في حركة المحلات، وارتفاع منسوب الترقب بدل التداول اليومي المعتاد. وهذا منطق اقتصادي مباشر: حين يرتفع سعر المادة الأولية بسرعة، بينما تظل مداخيل الأسر شبه ثابتة، ينكمش الطلب فوراً، خصوصاً على السلع غير الأساسية أو التي يمكن تأجيل اقتنائها.
الضغط لا يقع على الزبون فقط
الضرر لا يتوقف عند المستهلك. فمحلات المجوهرات تجد نفسها بين كلفة شراء مرتفعة ومبيعات بطيئة، ما يضغط على السيولة اليومية ويجعل تغطية المصاريف الثابتة، مثل الكراء والأجور والالتزامات المهنية، أكثر صعوبة. وفي مثل هذه الأسواق، لا يربح التاجر بالضرورة من صعود الذهب، لأن ارتفاع القيمة الاسمية للمخزون لا يتحول تلقائياً إلى أرباح فعلية إذا كان الزبون غائباً. بل إن استمرار الركود قد يضعف دورة رأس المال ويطيل مدة بقاء السلع داخل الواجهة أو الخزائن.
هل الأزمة ظرفية أم مرشحة للاستمرار؟
المعطيات العالمية لا توحي بانفراج سريع. فالطلب العالمي على الذهب ظل قويا في 2025 وتجاوز 5000 طن وفق مجلس الذهب العالمي، كما أن مشتريات البنوك المركزية لا تزال داعمة للسوق. وفي المقابل، يبقى السعر حساسا لأي تصعيد جيوسياسي أو اضطراب في الدولار أو عوائد السندات. لذلك، فإن عودة الانتعاش إلى سوق المجوهرات في المغرب تبدو مرتبطة بأحد احتمالين: إما تراجع فعلي في الأسعار، أو دخول السوق مرحلة استقرار نسبي تسمح للمستهلك باستعادة الثقة واتخاذ قرار الشراء دون خوف من قفزات جديدة. وحتى يحدث ذلك، سيظل القطاع يعيش على إيقاع الانتظار أكثر من إيقاع البيع.


