يشهد المغرب الراهن تحولا عميقا في طبيعة العلاقة التي تربط الشباب بالأحزاب السياسية، وهو تحول يطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل الفعل السياسي في البلاد. فإذا كان جيل الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي قد انخرط في العمل الحزبي باعتباره خيارا نضاليا وإستراتيجيا لبناء مجتمع ديمقراطي وتحقيق التغيير، فإن جيل اليوم، وخاصة “جيل زد”، بات يتعامل مع الأحزاب بنوع من الشك والريبة، بل وفي كثير من الأحيان بنفور واضح.
هذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من التجارب السياسية التي لم ترق إلى تطلعات الشباب. فقد عاش هذا الجيل على وقع وعود انتخابية لم تترجم إلى سياسات ملموسة، وعاين خيبات أمل متكررة عمقت فجوة الثقة بينه وبين الفاعل الحزبي. ومع مرور الوقت، ترسخ لدى فئة واسعة من الشباب شعور بأن العمل الحزبي لم يعد وسيلة فعالة للتعبير عن مطالبهم أو التأثير في القرار العمومي.
في المقابل، برزت الفضاءات الرقمية كبديل جديد للتعبير السياسي. لم يعد الشباب ينتظر المنابر الحزبية الكلاسيكية، بل أصبح يعبر عن آرائه ومطالبه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات مثل “ديسكورد”، التي تحولت إلى فضاءات للنقاش وتبادل الأفكار وصناعة الرأي العام. هذا التحول الرقمي أفرز جيلا جديدا من الفاعلين السياسيين غير التقليديين، الذين يمارسون نوعا من “النضال الرقمي” خارج الأطر المؤسساتية.
إن ظاهرة العزوف السياسي التي أصبحت سمة بارزة في المشهد المغربي اليوم، تدفعنا إلى التساؤل بعمق حول أسباب هذا “الانفصال” بين الشباب والأحزاب.
ويرى العديد من المحللين أن هذا الوضع يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها أزمة المصداقية التي تعاني منها الأحزاب، حيث لم تعد قادرة على إقناع الشباب بجدية برامجها أو بقدرتها على تحقيق التغيير. كما أن ضعف التواصل واعتماد أساليب تقليدية في الخطاب والاستقطاب جعل هذه الأحزاب تبدو بعيدة عن اهتمامات الجيل الجديد ولغته.
إلى جانب ذلك، يلاحظ الشباب غيابا واضحا للمرجعية الأيديولوجية لدى العديد من الأحزاب، حيث لم تعد تقدم مواقف سياسية واضحة، خاصة في القضايا المرتبطة بالحريات الفردية أو العدالة الاجتماعية. هذا الفراغ الفكري جعل الأحزاب تبدو ككيانات براغماتية أكثر منها حاملة لمشاريع مجتمعية، وهو ما يفقدها جاذبيتها لدى الشباب الباحث عن معنى وانتماء فكري.
كما يسجل أيضا تهميش الكفاءات الشابة داخل الهياكل الحزبية، حيث تظل مواقع القرار محصورة في نخب تقليدية، ما يخلق شعورا بالإقصاء لدى الشباب ويعزز فكرة أن الأحزاب لا تمثلهم فعليا. هذا الإقصاء لا يقتصر على المناصب، بل يمتد أيضا إلى ضعف إشراك الشباب في صياغة البرامج والسياسات.
ومن جهة أخرى، ساهم ضعف التجديد الفكري والتنظيمي في تعميق هذه الفجوة. ففي الماضي، كانت الأحزاب المغربية جزءا من سياق عالمي غني بالأفكار الكبرى مثل القومية والاشتراكية والليبرالية، وكانت تؤطر الشباب ضمن مشاريع فكرية واضحة. أما اليوم، وبعد التحولات التي عرفها العالم عقب نهاية الحرب الباردة، ومع صعود الإعلام الرقمي، فإن العديد من الأحزاب لم تستطع مواكبة هذه التغيرات، وظلت حبيسة أساليب تقليدية وخطابات متجاوزة.
هذا الجمود جعل العمل الحزبي يفقد طابعه التأطيري والتعبوي، ويتحول في نظر الكثيرين إلى مجرد آلية انتخابية موسمية، تعتمد على التعبئة الظرفية بدل الاشتغال المستمر على القضايا المجتمعية. وبالتالي، لم يعد الحزب فضاء للنقاش أو التكوين أو الإلهام، بل أصبح ينظر إليه كأداة للوصول إلى السلطة.
ورغم هذا التشخيص القاتم نسبيا، فإن الحديث عن “طلاق نهائي” بين الشباب والأحزاب قد يكون حكما متسرعا. فالعلاقة، وإن كانت متوترة، لا تزال قابلة لإعادة البناء. فالشباب المغربي لم يفقد اهتمامه بالشأن العام، بل غير فقط طرق تعبيره وانخراطه. وهذا يعني أن الأزمة ليست في غياب الوعي السياسي، بل في فقدان الثقة في الوسائط التقليدية.
إن إعادة وصل ما انقطع بين الشباب والأحزاب يتطلب إصلاحات عميقة، تبدأ بتجديد النخب، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وتبني خطاب سياسي جديد يستجيب لانشغالات الجيل الحالي. كما يقتضي الأمر إعادة الاعتبار للفكر السياسي داخل الأحزاب، وتطوير آليات تواصل حديثة تستثمر في الفضاء الرقمي بدل تجاهله.
في النهاية، يمكن القول إن ما نعيشه اليوم ليس طلاقا نهائيا، بل هو أقرب إلى “انفصال مؤقت”، ناتج عن أزمة ثقة وتواصل. وإذا ما توفرت الإرادة السياسية للإصلاح، فقد يتحول هذا الانفصال إلى فرصة لإعادة بناء علاقة أكثر نضجا وفعالية بين الشباب والأحزاب، بما يخدم مستقبل الديمقراطية في المغرب.
بقلم: أسامة العثماني (صحافي متدرب)


