في خضم التحولات المتسارعة التي يعرفها الساحل الإفريقي، لم تعد الأزمة في مالي مجرد ملف أمني مرتبط بمحاربة الجماعات المتطرفة، بل تحولت إلى مؤشر كاشف لطبيعة الاستراتيجية التي تعتمدها الجزائر في المنطقة، والتي تقوم، وفق قراءات متزايدة، على تدبير التوازن عبر الإبقاء على بؤر التوتر بدل إنهائها بشكل جذري.
ولطالما قدمت الجزائر نفسها كفاعل رئيسي في استقرار الساحل، مستفيدة من تجربتها خلال “العشرية السوداء”. غير أن هذا الدور عرف تحولا تدريجيا، حيث أصبح ينظر إليه كأداة لضبط المجال الحيوي جنوبا، أكثر منه التزاما حقيقيا بإرساء الأمن الإقليمي، في ظل مؤشرات على تفضيل إدارة الأزمة بدل حسمها.
وتشير معطيات متقاطعة إلى أن الجزائر لم تكن تسعى إلى إنهاء النزاع في مالي بشكل نهائي، بل إلى الحفاظ على توازن هش يمنع انهيار الدولة المالية، دون أن يسمح لها باستعادة سيطرة كاملة على شمالها، وهو ما يضمن استمرار دور الجزائر كوسيط مركزي في الملف.
وساطة تثير التساؤلات
واحتضنت الجزائر لسنوات جولات الحوار بين الحكومة المالية والفصائل المسلحة، غير أن هذه الوساطة أصبحت محل شك متزايد، مع اتهامات غير مباشرة بأنها ساهمت في إطالة أمد الأزمة عبر إعادة تدويرها بدل حلها. فاحتفاظ الجزائر بقنوات اتصال مع مختلف الأطراف منحها موقعا محوريا، لكنه أبقى النزاع في حالة “تعليق دائم”.
هذا الوضع دفع باماكو إلى التعبير عن امتعاضها في عدة مناسبات، خاصة مع توجهها نحو تنويع شركائها والانفتاح على قوى جديدة خارج النفوذ الجزائري.
تحولات 2024.. سقوط نموذج قديم
وشكلت سنة 2024 نقطة تحول بارزة، بعدما قررت مالي إلغاء اتفاق الجزائر، في خطوة اعتبرت إعلانا عن نهاية مرحلة كاملة من التدبير الإقليمي. هذا التحول تزامن مع صعود دور روسيا في المجال العسكري والأمني، مقابل تراجع نفوذ فرنسا، ما أحدث خلخلة في التوازنات التقليدية.
في المقابل، برزت مبادرات إقليمية جديدة، أبرزها المشروع الأطلسي الذي تقوده المغرب، والذي يهدف إلى ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، بما يفتح أمامها آفاقاً اقتصادية واستراتيجية جديدة. هذا التوجه يُنظر إليه كتحول نوعي في الجغرافيا السياسية، يحد من احتكار الجزائر لقنوات التأثير.
صراع على مستقبل الساحل
ويعكس المشهد الحالي صراعا أعمق حول هوية المنطقة، بين مقاربات أمنية تقليدية قائمة على تدبير الأزمات، وأخرى جديدة ترتكز على التنمية والانفتاح. وفي هذا السياق، تجد الجزائر نفسها أمام اختبار حقيقي، في ظل بروز فاعلين جدد لا يتبنون قواعد اللعبة القديمة.
وتشير المعطيات إلى تراجع تدريجي في النفوذ الجزائري داخل الساحل، نتيجة تحولات دولية وخيارات استراتيجية لم تواكب المتغيرات. فدول المنطقة، وعلى رأسها مالي، باتت تبحث عن شراكات بديلة تحقق لها السيادة والتنمية، ما يضع الجزائر أمام مفترق طرق حاسم بين التكيف أو فقدان موقعها في معادلة جديدة تتشكل بسرعة.


