حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

بعد أشهر طويلة من التصعيد الحاد والخطابات العدائية المتبادلة، تبدو الجزائر اليوم وكأنها تبتلع تدريجيا أزمة سياسية صنعتها بنفسها مع فرنسا، عقب القرار الفرنسي التاريخي الداعم لمغربية الصحراء. فالدولة التي رفعت سقف المواجهة مع باريس إلى مستويات غير مسبوقة، تجد نفسها حاليا مضطرة للعودة إلى منطق التنسيق والتعاون، دون أن تحصل على أي تراجع فرنسي في الملف الذي أشعل الأزمة منذ البداية.

وبرز المشهد الجديد بوضوح مع الزيارة التي قامت بها الوزيرة الفرنسية المنتدبة لدى وزارة الجيوش، أليس روفو، إلى الجزائر، ولقائها بالرئيس عبد المجيد تبون، في خطوة حملت إشارات قوية إلى أن العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة إعادة الترميم السياسي والأمني بعد قطيعة دبلوماسية استمرت أشهرا.

ولم يقتصر الأمر على اللقاءات البروتوكولية، بل رافقته مؤشرات عملية تؤكد عودة الدفء إلى العلاقات الثنائية، من بينها إعلان الطرفين تعزيز التعاون في ملفات حساسة تشمل الأمن والدفاع والهجرة والتنسيق القضائي، إلى جانب عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتي إلى الجزائر بعد نحو عام من مغادرته خلال ذروة الأزمة.

الجزائر تراجعت.. وفرنسا لم تغير موقفها

واللافت في هذا التحول أن فرنسا لم تقدم أي تنازل سياسي بخصوص قضية الصحراء، بل ما تزال متمسكة بالموقف الذي فجر الغضب الجزائري منذ صيف 2024، حين أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعمه الرسمي لسيادة المغرب على الصحراء، مؤكدا أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تمثل الحل الوحيد الواقعي لتسوية النزاع.

حينها، تعاملت الجزائر مع القرار الفرنسي باعتباره “صدمة استراتيجية”، وردت بخطوات تصعيدية شملت استدعاء السفير الجزائري وتجميد عدد من قنوات التعاون، مع محاولة تصوير الأزمة وكأنها مرتبطة بملفات الذاكرة والاستعمار والهجرة.

لكن مع مرور الوقت، اتضح أن جوهر الخلاف كان مرتبطا أساسا بالصحراء المغربية، وأن النظام الجزائري لم يتمكن من تغيير الموقف الفرنسي رغم كل الضغوط السياسية والإعلامية التي مارسها.

بل إن باريس ذهبت أبعد من ذلك، عبر تثبيت تموقعها داخل المعسكر الدولي الداعم للمقترح المغربي، في وقت بدأت فيه الجزائر تفقد تدريجياً قدرتها على فرض توازن دبلوماسي داخل الملف.

تبون يخفف لهجته

وانعكس هذا التحول أيضا على خطاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي بدا خلال خرجاته الأخيرة أقل حدة تجاه ملف الصحراء مقارنة بالسنوات الماضية، مكتفياً بالإشارة إلى أن هناك “مسارا أمميا يأخذ مجراه”، دون العودة إلى اللغة التصعيدية المعتادة.

هذا التغيير في النبرة لم يمر مرور الكرام لدى المتابعين، الذين اعتبروا أن الجزائر بدأت تهيئ الرأي العام الداخلي لمرحلة سياسية جديدة، عنوانها التعامل بواقعية أكبر مع التحولات الدولية التي باتت تميل بشكل واضح لصالح المقاربة المغربية.

ويأتي ذلك في وقت تتكاثر فيه المؤشرات الأممية والدولية التي توحي بأن ملف الصحراء يقترب من منعطف حاسم، خاصة بعد تصريحات المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، الذي تحدث مؤخرا عن “فرصة حقيقية” للتوصل إلى حل للنزاع، في سياق يعتبره مراقبون مرتبطا بتقدم خيار الحكم الذاتي داخل دوائر القرار الدولي.

واشنطن تدفع نحو الحسم

في الخلفية، تتحرك الولايات المتحدة بشكل متسارع لدفع الملف نحو تسوية نهائية، بعدما أشرفت خلال الأشهر الأخيرة على سلسلة لقاءات جمعت الأطراف المعنية بالنزاع.

وبحسب معطيات متداولة حول هذه المشاورات، فإن التركيز انصب أساسا على المقترح المغربي للحكم الذاتي، بعدما قدم المغرب نسخة موسعة ومفصلة من المشروع، بينما غابت أي بدائل أخرى ذات قابلية واقعية للتطبيق.

هذا التطور يعكس حجم التحول الذي عرفه الملف خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقل النقاش الدولي من البحث عن “حلول مفتوحة” إلى التركيز بشكل شبه حصري على الحكم الذاتي باعتباره الصيغة الأكثر واقعية لإنهاء نزاع عمره يقارب خمسة عقود.

عزلة دبلوماسية تتفاقم

ويبدو أن الجزائر بدأت تدرك أن الاستمرار في معارك دبلوماسية خاسرة ضد القوى الغربية الكبرى لم يعد يخدم مصالحها، خاصة بعد تراجع هامش المناورة الذي كانت تعتمد عليه سابقا عبر ورقة الطاقة أو التوترات الإقليمية.

فالرهان على معاقبة فرنسا بسبب موقفها من الصحراء لم يؤد سوى إلى تعميق العزلة الجزائرية، بينما واصلت الرباط توسيع دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي داخل أوروبا وإفريقيا وأمريكا.

كما أن النظام الجزائري، الذي استثمر لسنوات طويلة في خطاب المواجهة ورفض أي حل خارج الطرح الانفصالي، يجد نفسه اليوم أمام واقع سياسي جديد لم يعد يسمح له بالمحافظة على نفس السقف القديم، خصوصاً مع تزايد القناعة الدولية بأن استقرار المنطقة يمر عبر تسوية نهائية للنزاع تحت السيادة المغربية.

وفي المحصلة، فإن عودة الجزائر إلى التقارب مع باريس، رغم استمرار الدعم الفرنسي الصريح للمغرب، تكشف بوضوح أن موازين الملف بدأت تميل بشكل غير مسبوق لصالح الرباط، وأن مرحلة جديدة تتشكل في قضية الصحراء، عنوانها تراجع الأطروحات التقليدية وصعود الحل المغربي كخيار دولي شبه محسوم.