مع اقتراب عيد الأضحى، تتحول المدن والأسواق المغربية إلى مسرح لسباق استهلاكي محموم. سباق لا يعكس في جوهره مظاهر التقرب من الرب والعبادة، بقدر ما يجسد مأساة اجتماعية صامتة تغذيها أرقام فلكية لأسعار الماشية، باتت تتجاوز بكثير الحد الأدنى للأجور (SMIG).
خلف هذا الغلاء الفاحش، تبرز ظاهرة سوسيولوجية مقلقة تتجاوز منطق العرض والطلب، لتطرح سؤالا جوهريا عميقا حول تحول المناسبات الدينية إلى مواسم تجارية تستهدف فقط الربح المادي، جردت من أبعادها الدينية والأخلاقية لتسقط في فخ ما يمكن أن نطلق عليه الرأسمالية الدينية.
في خضم بيئة اقتصادية تعاني فيها الطبقتان الوسطى والهشة من تآكل قدرتها الشرائية جراء ارتفاع معدلات التضخم وتوالي سنوات الجفاف، يأتي عيد الأضحى ليوجه ضربة قاضية لجيوب المواطنين المنهكة أصلا، فكيف لعامل أو مستخدم يتقاضى حدا أدنى للأجور لا يكاد يغطي تكاليف المعيش اليومي من سكن وطعام وملبس وتطبيب، أن يجاري سوقا أصبحت فيه رأس غنم تتطلب سيولة نقدية تفوق راتبه الشهري بكثير؟
هذه المعادلة المستحيلة لم تصنعها فقط كلفة الأعلاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، بل هندستها آليات سوق عشوائية يسيطر عليها الوسطاء والمضاربون المعروفون إعلاميا ب”الشناقة” و“الفراقشية”.
لقد تحول الكبش بفعل غياب آليات الرقابة الصارمة وهيكلة قنوات التوزيع، من رمز للتضحية والتضامن الاجتماعي إلى سلعة احتكارية خاضعة للمزايدة، حيث تصبح القيمة المالية هي المعيار الوحيد، ويصبح العيد الذي كان وجدانيا مرتبطا بالفرح والسرور، هما نفسيا وكابوسا ماديا يهدد السلم الاجتماعي لآلاف الأسر المغربية.
إن ما يشهده المجتمع المغربي اليوم ليس مجرد طفرة عابرة في الأسعار، بل هو تجسيد بنيوي لما سميته الرأسمالية الدينية، حيث تسللت العقلية الرأسمالية المتوحشة إلى عمق الشعائر والطقوس الروحية والدينية، لتعيد إنتاجها كأدوات للربح السريع وصناعة الاستهلاك.
إن الرأسمالية الدينية لا تتعامل مع المواطن بوصفه مؤمنا يؤدي نسكا تطوعيا، بل كمستهلك محاصر بضغط العادات والتقاليد والعائلة، ومثقل بالنظرة الاجتماعية التي تلاحق من عجز عن شراء أضحية العيد.
يتم استغلال الوازع الديني والحرج الاجتماعي كآليات ترويجية غير مكتوبة لضمان استمرار الطلب مهما بلغت الأسعار، مما يدفع بالفئات المستضعفة نحو خيارات انتحارية كالاقتراض أو بيع أثاث البيت لتأمين مظهر العيد.
لقد نجحت هذه الرأسمالية المتوحشة في إفراغ العيد من جوهره الديني و الأخلاقي. فبدل أن يكون فرصة للتضامن و التآزر، تحول إلى أداة لفرز طبقي مقيت ومصدر لإثراء فئات تقتات على جيوب الكادحين.
لقد ربط النص الديني الأضحية بالاستطاعة واليسر (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها). لكن منطق السوق الرأسمالي الحالي لا يعترف بالاستطاعة. إنه يفرض سلطة الكبش ويفصل بين من يملك ومن لا يملك.
فأين هي قيم التضامن عندما يضطر آباء لإخفاء دموع العجز أمام أطفالهم لعدم قدرتهم على مواكبة بورصة الأسواق؟ وأين هي الأخلاق والإنسانية عندما يتحول الوسيط إلى مضارب يمارس الاحتكار لتعظيم هوامش ربحه على حساب كرامة أبناء وطنه، مستغلا حاجة الناس وشغفهم بالطقس الديني؟
إن مواجهة غلاء الأضاحي وتغول الرأسمالية الدينية لا يمكن أن تظل رهينة تبريرات جاهزة من قبيل الظرفية المناخية أو كلفة الإنتاج، بل قضية تتطلب أولا إرادة سياسية ومؤسساتية صارمة لتقنين الأسواق، وقطع دابر المضاربة وحماية المستهلك من الابتزاز الموسمي. كما تفرض على المجتمع بنخبه ومؤسساته المدنية والدينية فتح نقاش شجاع لإعادة الاعتبار للبعد الروحي والأخلاقي للشعيرة وتحريرها من الأنماط الاستهلاكية والمظاهر التفاخرية التي فرضتها الرأسمالية. فالعيد ليس بحجم الأضحية ولا بسعرها بل بقدر ما يزرعه من رحمة وتكافل في مجتمع يئن كادحوه تحت وطأة المعيش اليومي.
وإلى أن يصحو هذا الضمير الجماعي، سيبقى عيد الأضحى للملايين فصلا سنويا من المعاناة يسائل عدالة توزيع الثروة وضمان كرامة المواطن.
بقلم: هشام بنوشن (باحث في العلوم السياسية)

