في تطور لافت على مستوى الخطاب الرسمي الجزائري، أعلن وزير الخارجية أحمد عطاف ترحيب بلاده بالمسار التفاوضي الذي انطلق مطلع السنة الحالية بإشراف مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية لحل نزاع الصحراء، في موقف اعتبره متابعون مؤشرا إضافيا على التحولات التي بدأت تطرأ على المقاربة الجزائرية تجاه هذا الملف.
ويأتي هذا التصريح في ظرفية دولية تتسم بتعزيز الدعم السياسي والدبلوماسي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، خاصة عقب اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797، الذي دعا المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا إلى المشاركة في مفاوضات مباشرة بهدف التوصل إلى تسوية سياسية دائمة ومتوافق بشأنها.
من التشدد إلى الانخراط في المسار السياسي
وأكد عطاف أن الجزائر تشارك في هذا المسار بصفتها “بلدا مجاورا وطرفا ملاحظا”، غير أن مراقبين يرون أن مجرد الانخراط في إطار تفاوضي جديد ترعاه واشنطن والأمم المتحدة يعكس تغيرا واضحا مقارنة بالمواقف السابقة التي كانت ترفض أي مقاربة ترتبط بمبادرة الحكم الذاتي أو بالدور الأمريكي المباشر في الملف.
ويبرز هذا التحول أيضا من خلال تراجع الخطاب التصعيدي الذي طبع المواقف الجزائرية خلال السنوات الماضية، مقابل اعتماد لغة أكثر حذرا وانفتاحا على الحلول السياسية المطروحة داخل المؤسسات الدولية.
تبون يمهد لتحول الخطاب الرسمي
وكان عبد المجيد تبون قد قدم بدوره مؤشرات مشابهة خلال تصريح سابق اكتفى فيه بالإشارة إلى وجود “مسار أممي” لمعالجة النزاع، دون العودة إلى الانتقادات الحادة التي ميزت خطاباته السابقة تجاه المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
ويرى متابعون أن هذا التغيير في لهجة المسؤولين الجزائريين يعكس إدراكا متزايدا للمتغيرات الدولية المحيطة بالملف، خاصة مع تراجع قدرة الطرح التقليدي الجزائري على حشد الدعم نفسه الذي كان يحظى به في مراحل سابقة.
مبادرة الحكم الذاتي تفرض نفسها دوليا
وفي المقابل، واصل المقترح المغربي للحكم الذاتي تعزيز حضوره داخل الساحة الدولية، بعدما أصبح يحظى بدعم أكثر من 130 دولة، إضافة إلى تأييد عدد من القوى الكبرى التي تعتبره الحل الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لإنهاء النزاع.
كما ساهمت سلسلة من المواقف الدولية الأخيرة في ترسيخ هذا التوجه، حيث باتت عدة دول ترى في استمرار النزاع تهديدا للاستقرار الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل التي تواجه تحديات أمنية متزايدة مرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.
الرسائل الأمريكية تغير المعادلة
ومن بين أبرز التطورات التي أثرت في مسار الملف، الموقف الأمريكي الأخير الذي أعقب الهجوم على مدينة السمارة، حيث أدانت واشنطن هذا التصعيد وحذرت من أي خطوات من شأنها تعطيل جهود التسوية السياسية أو تقويض الاستقرار الإقليمي.
كما شددت الولايات المتحدة على تمسكها بخيار الحكم الذاتي كحل واقعي للنزاع، وهو موقف تبعته مواقف مماثلة من دول أوروبية عدة، من بينها فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة، ما عزز الضغوط الدولية الداعية إلى تسريع الحل السياسي.
الجزائر أمام واقع دبلوماسي جديد
ويرى مراقبون أن الجزائر تسعى حاليا إلى التكيف مع واقع دبلوماسي متغير فرضته التحولات الدولية والإقليمية، عبر تبني خطاب أكثر انسجاما مع التوجهات السائدة داخل مجلس الأمن والعواصم المؤثرة في الملف.
وفي ظل الرهانات الأمنية والاقتصادية المتنامية بمنطقة الساحل والمغرب الكبير، تبدو الحاجة إلى تسوية نهائية للنزاع أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، وهو ما يفسر بروز مؤشرات جديدة توحي بأن مختلف الأطراف أصبحت أكثر استعدادا للانخراط في مسار سياسي يقوم على الواقعية والبحث عن حلول قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

