لو كان سيدنا إبراهيم عارفا بما قد كان سيجري في القرن 21، وفي المغرب بالضبط، لكان رفض الامتثال للأمر الإلهي بذبح ابنه، ولكان أصر على وهب إسماعيل (لدى المسلمين)، قربانا يفدي به جميع هؤلاء البشر الذين يخلدون اليوم ذكرى هذه الواقعة الدينية، بطقوس من العنف والدماء والهمجية.
شخصيا، لست نباتية وأنا واحدة من أعظم أكلة لحوم “الغنمي” ولا أعترف بغيره لحما، حتى لا يتهمني أحد، كالعادة، بما ليس في، وهي تهمة لعمري مسيئة لتاريخي العائلي. لكن المناظر البشعة التي تطالعني في كل يوم تشرق فيه شمس هذه المملكة السعيدة، تجعلني أكره الخروف وما جاء منه من “تقلية” و”كرعين” و”مروزية” وهلم جرا من “الشهيوات” المغربية التي تحضر في “العيد الكبير”.
في كل مرة أخرج فيها من منزلي، وأدقق في وجوه المارة والسائقين، أجد ناسا أقرب إلى الأشباح منهم إلى الآدميين. عيون شاخصة تنضح منها شرارة الغضب والاستعداد للقتل من أجل الحصول على “الحولي”… شعر مشعث وثياب وسخة ونعال مبهدلة… قامات وجماجم من عصر “النينديرتال”.. وجوه “مغيسة”… ملامح تنز بؤسا وفقرا وشرا، لكنها متحمسة ل”العيد”، تنتظر بفارغ الصبر أن تصب جام حقد السنين على تلك الخرفان المسكينة، وتشقها شقا لتستهلك كل “شنتيفة” فيها، من “المصران” إلى “الهيضورة”.
وفي كل مرة، أستحضر القولة العميقة لأحد شخصيات رائعة “المداح”: “الله وكيل دا احنا عايشين مع بهايم”. ثم أقرأ اللطيف إلى حين العودة.
كل ما يحيط بنا استعدادا لهذا العيد مثير للقرف. منظر التبن والعلف منتشرا بعشوائية في الأحياء والشوارع.. روائح الغنم والروث والبول مختلطة برائحة العرق و”الصنان”.. لهطة المغاربة على الخبز و”المونادا” و”الفاخر” و”العطرية” وغيرها من مستلزمات المناسبة الدموية، وكأنها ستنقرض… زربية مغربية أصيلة منسوجة من مختلف أنواع الأزبال والنفايات، أينما وليت وجهك.. “المضاربة” على “الكيران” و”المركوب” في المحطات.. “الطاكسيات” وأصحاب السيارات و”المواطر” لاعبين “التساطيح”.. الكل “مزروب” والكل مقهور والكل “محفحف”، لكنه مصر على “الصردي المليح”، “مول 6000 درهم” وما فوق. وإلا ف”ما كاين عيد”.
الغريب في هذه “المعمعة” كلها، كثرة الشكوى من “الشناقة” و”الفراقشية”، والإقبال الكبير عليهم، رغم جشعهم وطمعهم، إلى درجة أن “الشحمة” التي كان الجزار يمنحها مجانا، أصبحت نادرة في السوق، وتباع ب150 درهما للكيلوغرام، لمن يريد أن يستمتع بطعم “بولفاف” من “المعيدين” بدون ذبح الأضحية (لأن كل واحد وعيدو). أما “الدوارة” ف600 درهم، و”شوف تشوف يلا لقيتيها”، دون الحديث عن “الكبدة” (ديال البقري) التي تجاوز الكيلوغرام الواحد منها 350 درهم. بل حتى “الفاخر” وصل إلى 35 درهما في بعض المناطق.. كل هذا، وجيوب الناس معذبة، لكن نفوسهم لا تسعها فرحة، في انتظار اليوم المعلوم، الذي يقضونه كاملا في “التشنشيط” والقيلولة والمرحاض، يعانون أمراض “المصران” والمعدة و”الكوليسترول”.. يوم واحد فقط، يؤدون أقساطه سنة كاملة، في منتهى السادية وحب جلد الذات.
الثلاث الأواخر قبل العيد، يصبح المغاربة وكأن على رؤوسهم الطير. “زومبيون” يهيمون في الأرض بحثا عن السكاكين و”الجناوة” و”الشواقر” والشوايات و”القطبان”. فبدونها لا تحلو طقوس الاحتفالية. ولا حديث في المقاهي والمنازل والمكاتب سوى عن “بشحال شريتي” “كا تعرف شي جزار؟” “كا تقطع فالدار ولا الباطوار” ؟؟؟ وغيرها من الأسئلة “الحولية” التي يوليها “القطيع” كل اهتمامه، وكأنه سيقوم بإنجاز خطير ستنتقل من خلاله البشرية إلى مرحلة متطورة من تاريخها الأسود الملطخ بالجرائم.
أما الكذبة الكبرى التي يؤمن بها الجميع، هو أن الغرض من “الذبيحة” هو ابتغاء مرضاة الله واتباع سنة نبيه. وفي اليوم J، يرتدي المسلمون أبهى جلاليبهم كما هي عادتهم، ويهمون جماعات للمساجد يركعون ويسجدون، ثم بعدها “آراك للفراجة”… وكأن الله لا ينظر إلى أفعالهم وسلوكهم. وكأنه يطل عليهم من فوق سماواته السبع وكله رضى وسرور بطقوسهم.. وكأن، فعلا، هذا ما أراده حين طلب من نبيه إبراهيم أن يضحي بابنه!


