صعد السياسي الفرنسي برونو ريتايو من انتقاداته للنظام الجزائري، معتبرا أن السلطات الجزائرية تلجأ باستمرار إلى تحميل فرنسا مسؤولية أزماتها الداخلية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة عنوانها إعادة الحوار والتنسيق بعد سنوات من التوتر الدبلوماسي الحاد.
وجاءت مواقف ريتايو خلال استضافته في برنامج “La France en face” الذي تبثه إذاعة “أوروبا 1” وقناة “CNews”، حيث تطرق إلى ملفات الهجرة والأمن والعلاقات الفرنسية الجزائرية، مقدما قراءة حادة لأسباب التوتر المتكرر بين الطرفين.
“كبش فداء” للأزمات الداخلية
وقال ريتايو إن النظام الجزائري يحتاج إلى فرنسا كـ”كبش فداء” لتفسير الصعوبات التي يواجهها داخليا، مشيرا إلى ما وصفه بالعزلة الدولية التي تعيشها الجزائر، إضافة إلى الركود الاقتصادي وتصاعد حالة التذمر وسط فئات واسعة من الشباب.
واعتبر المسؤول الفرنسي السابق أن هذه المعطيات تدفع السلطات الجزائرية إلى البحث عن خصم خارجي تستخدمه في خطابها السياسي الداخلي، مضيفاً أن فرنسا كانت غالباً في صلب هذه السردية خلال العقود الماضية.
كما أكد أن التجارب السابقة أظهرت، من وجهة نظره، أن أي تنازل فرنسي تجاه الجزائر كان يقابل بمطالب إضافية، وهو ما يستدعي إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين البلدين على أسس جديدة قائمة على التوازن والاحترام المتبادل.
مواقف متشددة مستمرة
وتنسجم تصريحات ريتايو مع مواقفه السابقة عندما كان يشغل منصب وزير الداخلية، حيث عرف بخطابه الصارم تجاه الجزائر، خاصة فيما يتعلق بملفات الهجرة وإعادة المهاجرين غير النظاميين.
وكان قد دعا في أكثر من مناسبة إلى مراجعة اتفاق الهجرة التاريخي بين البلدين، معتبرا أن الجزائر لا تتعاون بالشكل المطلوب في ملفات الترحيل والتنسيق القنصلي، وهو ما تسبب آنذاك في توتر إضافي بين الحكومتين.
الجزائر تعود إلى طاولة الحوار
وتأتي هذه التصريحات في وقت بدأت فيه الجزائر رسميا إعادة ترميم علاقاتها مع فرنسا، بعد نحو عامين من أزمة دبلوماسية غير مسبوقة اندلعت إثر إعلان باريس دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء.
وفي هذا الإطار، قام وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود بزيارة إلى باريس تعد الأولى من نوعها لمسؤول جزائري بهذا المستوى منذ صيف 2024، ما اعتبره مراقبون مؤشرا على وجود إرادة سياسية لتجاوز مرحلة القطيعة السابقة.
اعتراف بفشل سياسة الربط
وتؤكد المعطيات المتداولة أن الجزائر باتت تتعامل مع الملفات الأمنية والاقتصادية والهجرية بشكل منفصل عن قضية الصحراء، بعدما كانت تصر خلال السنوات الماضية على ربط مختلف أوجه التعاون الثنائي بموقف باريس من هذا الملف.
كما أظهرت النقاشات الجارية بين الجانبين أن قضايا الهجرة والأمن والتعاون القضائي أصبحت تحتل صدارة الأولويات، بينما غاب ملف الصحراء عن جدول الأعمال الرسمي، في مؤشر على أن الجزائر بدأت تقتنع بأن الضغط الدبلوماسي لم ينجح في تغيير الموقف الفرنسي.
ويرى متابعون أن هذه التحولات تعكس واقعاً سياسياً جديداً فرضته المتغيرات الدولية، خصوصاً مع اتساع دائرة الدعم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، الأمر الذي دفع الجزائر إلى اعتماد مقاربة أكثر براغماتية تجاه علاقاتها مع باريس، بعد سنوات من التوتر والمواجهة السياسية.


