أعاد مقتل القيادي في جبهة “البوليساريو” الحبيب محمد عبد العزيز إلى الواجهة النقاش الدائر حول مستقبل القيادة داخل التنظيم الانفصالي، بعدما تحول خبر مصرعه إلى حدث بارز داخل مخيمات تندوف وبين المنصات الإعلامية المقربة من الجبهة، بالنظر إلى رمزية الرجل وموقعه داخل هياكل القرار العسكري والسياسي.
فالرجل الذي كان يشغل منصب عضو الأمانة الوطنية وقائد اللواء الاحتياطي القتالي الأول لم يكن مجرد مسؤول عسكري عادي، بل يمثل أحد أبرز وجوه الجيل الجديد داخل الجبهة، كما أن اسمه يرتبط مباشرة بوالده محمد عبد العزيز، الزعيم التاريخي الذي قاد “البوليساريو” منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى غاية سنة 2016.
عملية تثير الكثير من الأسئلة
ورغم أن الجبهة قدمت مقتله باعتباره نتيجة عملية عسكرية وقعت شرق الجدار الأمني، فإن العديد من المتابعين توقفوا عند طبيعة المهمة التي كان يشارك فيها، خاصة أن المنطقة التي جرت فيها العملية تعرف مراقبة دقيقة ومتواصلة، الأمر الذي جعل البعض يتساءل عن دوافع إرسال قيادي بهذا الحجم إلى منطقة عالية الخطورة.
كما أن الحادث أعاد إلى الذاكرة سلسلة من العمليات المشابهة التي أودت خلال السنوات الأخيرة بعدد من القيادات العسكرية البارزة داخل “البوليساريو”، ما غذى نقاشاً داخلياً متواصلاً حول أسباب تكرار هذه الخسائر وطبيعة القرارات التي تقف وراءها.
تزايد الشكوك داخل الأوساط الانفصالية
وفي الوقت الذي تواصل فيه قيادة الجبهة التمسك بخطابها التقليدي بشأن العمل العسكري، بدأت بعض المنصات المقربة من الطرح الانفصالي تعبر بشكل أكثر وضوحا عن تساؤلات مرتبطة بجدوى هذه التحركات، خصوصا في ظل التفوق التقني والعسكري الذي أظهرته القوات المسلحة الملكية خلال السنوات الأخيرة.
وترافق ذلك مع تنامي أصوات تعتبر أن استمرار إرسال عناصر وقيادات إلى مناطق تشهد مراقبة دقيقة لا يحقق أي مكاسب ميدانية ملموسة، بل يؤدي إلى خسارة المزيد من الأسماء التي كانت مرشحة للعب أدوار سياسية وتنظيمية مهمة داخل الجبهة مستقبلاً.
سياق سياسي متغير
وتأتي هذه التطورات في وقت يعرف فيه ملف الصحراء دينامية سياسية متسارعة على المستوى الدولي، مع تنامي الدعم لمبادرة الحكم الذاتي وعودة التحركات الأممية الرامية إلى الدفع نحو تسوية نهائية للنزاع.
ويعتقد عدد من المتابعين أن هذه التحولات بدأت تلقي بظلالها على المشهد الداخلي داخل مخيمات تندوف، حيث تتزايد النقاشات بشأن مستقبل الجبهة وطبيعة الخيارات المتاحة أمامها في المرحلة المقبلة، خاصة مع تراجع رهانات الحسم العسكري مقابل صعود المقاربات السياسية والدبلوماسية.
مرحلة جديدة داخل الجبهة
ويبدو أن مقتل الحبيب محمد عبد العزيز لن يقرأ فقط باعتباره خسارة عسكرية، بل كحدث سياسي يعكس حجم التحولات التي تعرفها “البوليساريو” في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ النزاع.
فبين تصاعد الضغوط الدولية، وتزايد التساؤلات داخل المخيمات، واستمرار المتغيرات الإقليمية، يجد التنظيم نفسه أمام تحديات معقدة قد تعيد رسم توازناته الداخلية وتحدد شكل قيادته ومستقبله خلال السنوات المقبلة.

