حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تواصل مدينة الصويرة ترسيخ مكانتها كحاضنة للحوار الثقافي والفكري، بعدما أصبح مهرجان كناوة وموسيقى العالم يتجاوز البعد الموسيقي ليشكل فضاء لمناقشة القضايا الكبرى التي تشغل الرأي العام. وفي هذا السياق، افتتحت، الجمعة 26 يونيو 2026، فعاليات الدورة الثالثة عشرة لمنتدى حقوق الإنسان تحت شعار “شباب العالم: الحرية، الهوية، والمستقبل”، بمشاركة مسؤولين وسياسيين ومفكرين وأكاديميين وإعلاميين من دول مختلفة، للبحث في رهانات الأجيال الجديدة وسط التحولات الدولية المتسارعة.

المنتدى.. امتداد فكري لمهرجان كناوة

واعتبرت منتجة مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة، نائلة التازي، أن المنتدى يجسد البعد الفكري للمهرجان، لأنه ينقل إلى فضاء الحوار القيم التي تعكسها الموسيقى، وعلى رأسها التعدد والانفتاح والتعايش الثقافي. وأبرزت أن الشباب يوجد في قلب التحولات العالمية الراهنة، الأمر الذي يجعل توفير فضاءات للنقاش وتبادل الرؤى ضرورة ملحة.

مندى كناوة 2

وأوضحت نايلة التازي أن الحرية والشباب والهوية والمستقبل مفاهيم متداخلة لا يمكن فصل بعضها عن بعض، مؤكدة أن الحرية تمثل شرطاً أساسياً لازدهار الشباب، فيما تتشكل الهوية باستمرار من خلال التجارب والانتماءات والاختيارات. وأضافت أن مهرجان كناوة يقدم نموذجاً يجمع بين الحفاظ على الجذور الثقافية والانفتاح على الثقافات الأخرى.

كما نبهت إلى أن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، رغم مساهمتهما في توسيع آفاق تبادل المعرفة، لا يمكن أن يحلا محل العمل الجماعي أو المشاركة المدنية.

بنسعيد: الثقافة رافعة للحوار والتنمية

وفي الجلسة الافتتاحية، دار حوار بعنوان “الحريات موضع تساؤل: أن تكون شابا في عالم متوتر”، جمع وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، والوزيرة الفرنسية السابقة للتربية الوطنية ورئيسة جمعية France Terre d’Asile، نجاة فالو بلقاسم.

وأكد بنسعيد أن المهرجانات الثقافية أصبحت اليوم فضاءات للنقاش حول القضايا الفكرية والاجتماعية والثقافية، ولم تعد تقتصر على تقديم الفقرات الفنية، مستفيدة من حضور خبراء ومتخصصين وفاعلين من مجالات متعددة لمناقشة قضايا الشباب والحرية وحقوق الإنسان والثقافة.

وأشار إلى أن هذا اللقاء أتاح تبادل التجارب بشأن السياسات العمومية الموجهة للشباب، خاصة في مجالات التربية والثقافة والمواطنة، من خلال تجربة مسؤولين تقلدوا مناصب حكومية في سن مبكرة، مع استحضار التحديات المرتبطة بالتكنولوجيا والتغيرات المناخية والتحولات الجيوسياسية.

منتدى كناوة 3

وأوضح الوزير أن مهرجان كناوة أصبح يؤدي دورا محوريا في حماية التراث اللامادي المغربي، وعلى رأسه التراث الكناوي، بعدما نجح في تحقيق إشعاع عالمي، وبناء جسور للتواصل بين الثقافة الكناوية ومختلف ثقافات العالم، عبر استقطاب زوار مغاربة وأجانب إلى مدينة الصويرة.

الصناعات الثقافية رهان اقتصادي واعد

وأكد بنسعيد أن القيمة الاقتصادية لمهرجان كناوة لا تقل أهمية عن بعده الثقافي، مشيرا إلى أن الدراسات المنجزة أظهرت أن هذه التظاهرة تحقق مردودية اقتصادية كبيرة، وتنعكس بشكل مباشر على مدينة الصويرة وساكنتها، إلى جانب مختلف الفاعلين الاقتصاديين المرتبطين بالمهرجان.

وأضاف أن هذه النتائج تعكس الإمكانات الكبيرة التي توفرها الصناعات الثقافية والإبداعية باعتبارها محركاً اقتصادياً قادراً على خلق فرص الشغل، خاصة مع التحولات التكنولوجية التي ستؤثر في عدد من القطاعات التقليدية، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل على نقل هذه التجربة إلى مناطق وجهات أخرى بالمملكة.

كما أبرز المهدي بنسعيد أن المهرجان أصبح منصة للنقاش العمومي، تحتضن لقاءات تجمع شخصيات سياسية وثقافية وجمعوية مع الجمهور لمناقشة قضايا الشباب والحرية والتراث والمستقبل، إلى جانب تنظيم دورات تكوينية وأنشطة موازية تعزز ثقافة الحوار والمشاركة.

اليزمي: تطلعات الشباب المغربي تنسجم مع طموحات شباب العالم

من جانبه، اعتبر رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، إدريس اليزمي، أن تخصيص الدورة الحالية للشباب يعكس مكانتهم داخل المجتمع المغربي، سواء من حيث الوزن الديموغرافي أو من خلال مساهمتهم في التحولات الاجتماعية.

وأكد أن الشباب المغربي يعد الأكثر تعليما في تاريخ المملكة، ويتمتع بانفتاح كبير على العالم بفضل الثورة الرقمية، كما يحمل طموحات ترتبط بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين النساء والرجال وتعزيز المشاركة المواطنة.

وأشار إلى أن هذه التطلعات لا تختلف عن طموحات شباب العالم، الذين يسعون إلى اكتساب المعرفة والانفتاح على تجارب جديدة مع الحفاظ على ارتباطهم بأوطانهم.

الفيلسوف سليمان بشير دياني يدعو إلى الكونية

وفي محاضرته الافتتاحية، دعا الفيلسوف السنغالي وأستاذ جامعة كولومبيا، سليمان بشير دياني، الشباب إلى الانخراط في “النضال من أجل الكونية”، لمواجهة تصاعد النزعات الهوياتية والأزمات البيئية والصراعات الدولية.

وأوضح أن الكونية تقوم على الحوار بين الثقافات وليس على صهرها في نموذج واحد، معتبرا أن الترجمة تشكل وسيلة أساسية لبناء التفاهم بين الشعوب، لأنها تتجاوز نقل الكلمات إلى بناء جسور للتواصل.

كما دعا إلى مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، وفي مقدمتها التغير المناخي والذكاء الاصطناعي، مع تجنب تحويل الهوية إلى سبب للانغلاق أو التعصب، مؤكدا أن معالجة القضايا العالمية تتطلب تعاونا واسعا بين مختلف الشعوب.

جلسات تناقش الإبداع والهوية والمشاركة

ويتضمن برنامج المنتدى ثلاث موائد مستديرة تتمحور حول العلاقة بين الشباب والإبداع والهوية والمشاركة المجتمعية، حيث تتناول الأولى “الفنون والثقافات: الإبداع من أجل الوجود”، فيما تبحث الثانية “هويات في حركة: النمو بين العوالم”، بينما تركز الثالثة على “أشكال جديدة للالتزام: حين يعيد الشباب ابتكار الفعل”، مع تسليط الضوء على المبادرات المدنية وأشكال المشاركة الحديثة.

ويؤكد منتدى حقوق الإنسان، الذي تحول إلى أحد الأعمدة الفكرية لمهرجان كناوة وموسيقى العالم، حضوره كمنصة للحوار بين الفكر والثقافة والإبداع، عبر جمع أكاديميين وفنانين وممثلي المجتمع المدني والمؤسسات في نقاشات تستهدف فهم التحولات العالمية واستشراف مستقبل يكون فيه الشباب شريكاً أساسياً في صناعة التغيير.